تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3621

مساهمون:

ص٣٦٢١
يجيب بالنفي ، وهذا ما يحدث بين البشر ، لكن حين يكون الاستفهام من اللّه ، ويكون الحادث المستفهم عنه قد حدث من قبل وجود المستفهم منه ، فالإيمان يقتضى أن يجيب المستفهم منه عن هذا الحادث ب « نعم » . ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
( 1 ) ( سورة الفيل ) وهذا خطاب من اللّه لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم عما حدث لأصحاب الفيل في عام ولادته صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولم يكن الحدث موضع رؤية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولقائل أن يقول : كيف يخاطب اللّه رسوله باستفهام عن حادث لم يره ؟ ونقول : إن الحق بهذا الاستفهام يوضح لرسوله : اسمع منى ، وسماعك منى فوق رؤية عينيك للحدث ، فإذا ما قلت لك : « ألم تر » فمعناها : اعلم علما يقينيا ، وهذا العلم اليقيني يجب أن تثق في صدقه كأنك رأيته رؤية العين وفوق ذلك أيضا فإن عينك قد تخدعك أو تكذب عليك ، ولكن حين يخبرك ربك لا يخدعك ولا يكذب عليك أبدا . إذن فالحق يريد أن يخرج هذه الأساليب مخرج اليقين . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - فحين يحاول إنسان قد أحسنت إليه كثيرا أن يجحد إحسانك ، فأنت لا تقول له : أنا أحسنت إليك ، ولكنك تقول له : أرأيت ما فعلته معك يوم كذا ، ويوم كذا ؟ وهنا يبدو كلامك كاستفهام منك ، لأنك واثق أنه حين يدير رأسه في الجواب فلن يجد إلا ما يؤيد منطقك من وقوفك إلى جانبه ، وإحسانك إليه ، ولن يجد إلا أن يقول لك : نعم رأيت أنك وقفت بجانبي في كل المواقف التي تذكرها . وفي مثل هذا القول إلزام لا من موقع المتكلم ، ولكن من واقع المخاطب . وبعد أن تكلم الحق عن تعنت الكافرين أمام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعدم اكتفائهم بالآيات التي أنزلها اللّه مؤيدة لصدق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم تماديهم في اقتراح آيات من عندهم ، وقد اقترحوها في شئ من الصفاقة والسماجة ، فقالوا :