[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 27 ]
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 )
عندما ننظر إلى قول الحق :
« وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ » ،
هنا لا نجد جوابا ، مثل ما تجده في قولك : لو رأيت فلانا لرحبت به أو لو رأيت فلانا لعاقبته .
إن في كل من هاتين الجملتين جوابا ، لكن في هذا القول الكريم لا نجد جوابا ، وهذا من عظمة الأداء القرآني ؛ فهناك أحداث لا تقوى العبارات على أدائها ، ولذلك يحذفها الحق سبحانه وتعالى ليذهب كل سامع في المعنى مذاهبه التي يراها .
وفي حياتنا نجد مجرما في بلد من البلاد يستشرى فساده وإجرامه في سكانها تقتيلا وتعذيبا وسرقة واعتداءات ، ولا أحد يقدر عليه أبدا ، ثم يمكن اللّه لرجال الأمن أن يقبضوا عليه ، فنرى هذا القاتل المفسد يتحول من بعد الجبروت إلى جبان رعديد يكاد يقبل يد الشرطي حتى لا يضع القيود في يديه . ويرى إنسان ذلك المشهد فيصفه للآخرين قائلا : آه لو رأيتم لحظة قبضت الشرطة على هذا المجرم ، وهذه العبارة تؤدى كل معاني الذلة التي يتخيلها السامع ، إذن فحذف الجواب دائما تربيب لفائدة الجواب ، ليذهب كل سامع في تصور الذلة إلى ما يذهب . لأن المشاهد لو شاء لحكى ما حدث بالتفصيل لحظة القبض على المجرم وبذلك يكون قد حدد الذلة والمهانة في إطار ما رأى هو ، ويحجب بذلك تخيّل وتصوّر السامعين .
أما اكتفاء المشاهد بقوله : آه لو رأيتم لحظة قبض الشرطي على هذا المجرم . .
فهذا القول يعمم ما يرى حتى يتصور كل سامع من صور الإذلال ما يناسب قدرة خياله على التصور . وهكذا أراد القرآن أن يصور هول الوقوف على النار فأطلق الحق « لو » بلا جواب حين قال :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 27 )
( سورة الأنعام )