تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3262

مساهمون:

ص٣٢٦٢
وقد قالوا ذلك قبل ظهور سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وقبل زحف الإسلام عليهم لينقض باطلهم . وحدث أن تفرغوا لصناعة آلات الحرب وبناء الحصون والزراعة ، وانشغلوا عن الزراعة فخابت محاصيلهم وجاء وقت الحصاد فلم يجدوا ، فقال « فنحاص » وهو واحد من اليهود : لماذا قبض اللّه يده عنا ؟ إن يد اللّه مغلولة . ونلحظ أن الذي قال ذلك هو شخص واحد ، ولكن الحق يقول هنا :
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » .
ومعنى ذلك أن « فنحاص » عندما قال ذلك سمعوه وسرّهم ما قال ، ووافقوه عليها . أو أنهم حينما شاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في أول الهجرة وقد آخى بين المهاجرين والأنصار ، وكانت تمر على المسلمين الليالي دون طعام فيراهم اليهود فيتندرون على تلك الحال ويقولون : إن يد اللّه مغلولة عن محمد وآله . أو أنهم قالوا : إن يد اللّه مغلولة في الآخرة عن عقابنا ؛ لأنه سيعقابنا أياما معدودة . والذي يبيح لنفسه أن يجعل اللّه منفعلا لأحداث خلقه إنما يكفر باللّه ؛ لأنه ينزل اللّه من مكانته . فإذا كانت يد اللّه مغلولة ، فهذا الرباط والغلّ والمنع يكون من خلق اللّه . وكيف يقدر خلق من خلق اللّه أن يربط يد اللّه ؟ . لقد اجترأوا على مقام الألوهية وهذا من سوء الأدب ، تماما كما قالوا :
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
( من الآية 181 سورة آل عمران ) وحينما قالوا :
« يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ »
وردّ الحق عليهم :
« بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ »
وقال قبلها :
« غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ »
فهل يدعو الحق عليهم ؟ طبعا لا ؛ لأنه هو المصدر الذي يتجه إليه الخلق بالدعاء وهو القادر على كل الخلق . ولكن الحق حين روى ما قالوه إنما ينبه الذهن الإيمانى الذي يستقبل كلامه أنه ساعة يجد وصفا لا يناسب اللّه فعليه أن يدفع هذا الكلام حتى قبل أن يرى الرد عليهم .
« وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ »
وهذا يعلمنا أننا إذا سمعنا وصفا لا يليق فلا بد أن ندحضه ؛ لأن الحق لا يدعو على عبيده ؛ لأن الدعاء هو أن يرفع عاجز طلبه إلى قادر لينفذ المطلوب له .