تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3260

مساهمون:

ص٣٢٦٠
أكل السحت وقول الإثم والعدوان . ثم تتجلى دقة الأداء القرآني - كما هو دائما - في قوله الحق :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ » .
ونذكر أن تذييل الآية السابقة قال فيه الحق عن سلوك العامة من أهل الكتاب :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » ،
إذن فالحق يفرق بين بئس عن صناعة وبئس عن عمل . وبئس الربانيون والأحبار هو بئس الصناعة . ونعلم أن كل جارحة من جوارح الإنسان لها حدث خاص بها : فالعين حدثها أن ترى ، والأذن حدثها السمع ، واليد اللمس ومناولة الفعل ، والرّجل تسعى ، واللسان مجال عمله الكلام . والجوارح تنقسم إلى قسمين : اللسان وحدثه القول ، وبقية الجوارح أحداثها أفعال ، بدليل أن اللّه يقول :
كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
( 3 ) ( سورة الصف ) إذن فالقول مقابله الفعل . والقول عمل ، والفعل عمل . وما دام هناك قول وفعل من عامة أهل الكتاب في ذلك المجال لذلك يقول الحق :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » .
وقال عن الربانيين والأحبار :
« لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ »
لإيضاح الفرق بين من يعمل ومن يصنع ، فمن فتق ثوبه وجاء بإبرة وخيط ليصلحه ، فهو خائط ، ولكن الذي يحترف ذلك هو « الخيّاط » ؛ فصاحب الحرفة هو من يأخذ وصفها لأنه يجيدها ، أما الذي يمارسها لمرة واحدة فلا يأخذ من الصنعة إلا بقدر ما يدل على أنه لم يتقنها . وكان الربانيون والأحبار قد اتخذوا أمر الدين والكهنوت صناعة بتجويد كبير . وذلك هو الذي جعل السلطة التقنينية في العالم كله تنتقل من منهج السماء إلى منهج الأرض . وحينما نرجع إلى تاريخ القانون نجد أن الأصل في التقنين كان من الكهنة الذين كانوا منسوبين إلى اللّه وخبر السماء ، وهم الذين كانوا يحكمون بين الناس ، لكنهم أفسدوا ، ورأى المجتمع أنهم يحكمون في قضية بحكم ، ثم في قضية مشابهة يحكمون بنقيض الحكم السابق ، وأنهم ارتشوا في سبيل ذلك ، وما يزوا بين الناس ، وعرف الناس أن الكهنة غير مأمونين على العدالة ؛ لذلك تركوا الكهنة وبدأوا يضعون