تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3552

مساهمون:

ص٣٥٥٢
إذن فقد أخذ اللّه العهد على كل نبي أن يبلغ قومه أن يؤمنوا برسالة الرسول الذي توافق دعوته دعوتهم ، وأخذ الحق الإقرار من كل نبي على ذلك ، وشهد الأنبياء على أنفسهم وشهد اللّه عليهم ، وبلغوا ذلك إلى أقوامهم . إذن فنصرة النبي الخاتم موجودة في كل رسالة سابقة على الإسلام ، وكان على كل رسول أن يعطى إيضاحا بذلك العهد لقومه ، وأن يأخذ عليهم العهد بنصرة الرسول القادم إليهم ، ويبلغهم أن من تمام الإيمان أن يؤيّدوا ذلك الرسول إن هم عاصروه . ويخصص الحق هنا أهل الكتاب الذين نزلت إليهم التوراة والإنجيل وهما أصحاب الديانتين العظيمتين اللتين سبقتا الإسلام :
« الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ »
أي أنهم يعرفون محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالبشارة به ، وبالإخبار عنه ، وبالنعت لشكله وصورته ، فإذا كان كفار قريش على فترة من الرسل فليسألوا أهل الكتاب . وقد سمع الأوس والخزرج من أهل الكتاب أن هناك نبيا قادما سيؤمنون به ويتبعونه ويقتلون به العرب قتل عاد وإرم . إذن فالصيحة الإيمانية على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم تكن مفاجئة للكون ، وإن كتمها الذين كفروا من أهل الكتاب ، هؤلاء الذين جاء فيهم قول الحق سبحانه :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ
( 89 ) ( سورة البقرة ) لقد انتابت الآفة التي تنكر هذا البلاغ عن اللّه بعضا من أهل الكتاب ، فقد أخذوا ، وهم المبلغون عن اللّه ، السلطة الزمنية ورأوا فيها الحظ والجاه والنعيم ، فمنهم القضاة وإليهم يلجأ الناس لمعرفة الحكم في الدماء ، وكذلك يأخذون الصدقات . وألفوا حياة السيادة والنعيم . وها هي ذي دعوة جديدة جاءت لتسلب منهم هذه السيادة ، وبالرغم من أنهم كانوا المبشرين بها من قبل ، إلا أن الدعوة عندما جاءت تزلزلت بها سلطتهم الزمنية ، ولذلك بدأوا العداء . إذن فالآفة هي أخذ سلطة زمنية من باطن سلطة اللّه ثم يدعى أنها سلطة اللّه . وعندما ننظر إلى التاريخ الديانى في العالم نجد أن السلطة الزمنية في الأديان التي