تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3533

مساهمون:

ص٣٥٣٣
والرزق - كما نعلم - رزق ينتفع به مباشرة ؛ ورزق يأتي لنا بما ننتفع به مباشرة . فلو أن إنسانا في صحراء ومعه جبل من الذهب الخالص ولم يجد كوب ماء ولا رغيف خبز ، فجبل الذهب لا يساوى شيئا . إن جبل الذهب رزق ولكن لا ينتفع به مباشرة . والرزق الذي ننتفع به مباشرة هو الطعام والشراب والكسوة . ونحن نحتاج إلى الطعام والشراب كل يوم ، ونحتاج إلى ملابس جديدة مرة كل ستة أشهر في المتوسط . إذن فالرزق المباشر هو المقوّم الأساسي للحياة . والولي الذي ينصر لا بد أن تتوافر فيه القدرة على الإطعام الذي يمدنا بالقدرة التي هي أساس الحياة إنها طاقة استمرار الإنسان على الأرض . فالأم تطعم طفلها وهي تطعم أيضا بما يأتيها زوجها من طعام . والحق سبحانه وتعالى وحده هو الذي يطعم كل الخلق ولا يطعمه أحد . وحينما نسلسل كل عطاء في الدنيا نجده يؤول إلى اللّه تعالى . إذن فلا تجعل وليّك في الوسائط ، بل اجعله في الغايات ؛ لأن الوسائط كلها راجعة في الحقيقة إلى اللّه ، ويأتي الأمر من الحق لرسوله :
« قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » .
وهذا الأمر يجئ من الآمر الأعلى وهو اللّه . فالرسول لم يقل : إن هذا الأمر منه ؛ لأنه بشر مثلنا ، وسبحانه أبلغ رسولنا أن يكون هو أول من أسلم ، وأن ينال شرف الالتزام بمبادىء الإسلام ، والمثال على ذلك أن كل قائد مسلم هو القدوة لغيره ، فها هو ذا طارق بن زياد الذي فتح الأندلس وهي ملك عريض ، ونزل من السفن وقال لجنوده : أنا لم آمركم أمرا أنا عنه بنجوة - أي أنا بعيد عنه - بل أنا معكم ، واعلموا أنى عندما يلتقى الجمعان حامل بنفسي على طاغية القوم « لزريق » فقاتله إن شاء اللّه . إنه لم يأمر بأمر لم يطبقه على نفسه ، بل طبقه على نفسه أولا ، وآفة الأوامر أن كل إنسان يأمر أمرا ولا يطبقه على نفسه . ومن قبل ذلك كان سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - قد حكم نفسه أولا فحكم الدنيا ، لقد جمع أقاربه أولا وقال لهم : إني سأشرع للمسلمين ، والذي