تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3530

مساهمون:

ص٣٥٣٠
سبحانه قبل أن يمتن علينا بخلق الحياة فهو يحذرنا أن يأخذنا الغرور بهذه الحياة ، ولذلك قال :
تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ
( 2 ) ( سورة الملك ) وكأنه ينبه الإنسان إلى أن يستقبل الحياة ، ليعرف أنه سبحانه أوجد ناقض الحياة وهو الموت ، فإياك أن تأخذ الحياة على أنها تعطيك قوة الحركة والإدراك والإرادة برتابة وأبدية ؛ لأن هناك ناقض الحياة وهو الموت . وها هو ذا سبحانه يقول في موضع آخر من القرآن الكريم :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ ( 58 ) أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ ( 59 ) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
( 61 ) ( سورة الواقعة ) والإنسان لا يرى الحيوانات المنوية المقذوفة منه في رحم زوجه ، ولا أحد يقدر على ذلك ويرعاه حتى يصير جنينا ثم بشرا ، ولكن الحق هو المقدر والخالق ، إنّه القادر الذي أعطانا الحياة وقدّر علينا الموت ولا غالب له ، إنه يبدل صورنا حين يريد ، ويخلق غيرنا وينشئنا في صور لا نعرفها ، وهو الواهب للحياة ، وهو الذي ينزعها بالموت . ويقول لنا :
أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ
( 64 ) ( سورة الواقعة ) هنا ينبهنا جل وعلا إلى أن الزرع الذي نأكله ، والثمار التي نجنيها من الأرض ليس لنا فيها إلا إلقاء البذور ، وهو سبحانه الذي أودع في البذرة عجائب مختزنة ، ففي البذرة ما يقيتها إلى أن يوجد لها جذير يمتص غذاءها من الأرض ، فتّنمو لها