تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3522

مساهمون:

ص٣٥٢٢
إن من عظمة الموجود الأعلى الواجب الوجود أنه يتكلم عن نفسه بضمير الغيب وهو سبحانه القائل في أول بعض الآيات :
« قُلْ هُوَ اللَّهُ » .
و « قل » هي أمر ، فكأن الحق حين يقول : « هو » فلا يمكن أن تطلق « هو » إلا على اللّه ولا تنصرف إلا للّه .
« وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ »
وكلمة « سكن » هي من مادة السين والكاف والنون ، وتأتى لمعان متعددة ؛ فتكون من السكنى أي الاستيطان ، وتكون من السكون الذي هو ضد الحركة . والمثال على الاستيطان هو قول اللّه لآدم :
اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ
( من الآية 35 سورة البقرة ) إن الحق سبحانه يقول هنا :
« وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ »
فكأن الليل والنهار ظرف ، وكل الوجود مظروف فيه . وظرفية الليل والنهار تأتى على ظرفية المكان وهو الأرض . وكل مكان في الأرض يأتي عليه الليل والنهار . فإن أردنا الاستيطان في السكن فهي موجودة ، وإن أردناها من السكون - وهو ضد الحركة - فهي موجودة ؛ ذلك أن كل متحرك يؤول إلى ساكن ، والإنسان سيد الحركة ثم يموت أو يسكن في الأرض . وهكذا نرى أن الجنس الأعم الذي يشملهما معا هو « ما سكن » ولذلك قال الحق :
وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 13 ) ( سورة الأنعام ) وحينما يقول :
« وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ » ،
فهو يتكلم عن الزمان ، واحتوائية الزمان للزمانيات ، أي للأشياء التي تحدث في هذا الزمان . والإنسان كما نعلم حدث . وكل ما يطرأ عنه حدث ، وكل ما في الكون حدث ، وقد أحدثه الحق الواجب الوجود . وما دام الحدث قد وجد فلا بد له من زمان ولا بد له من مكان . أما مكان الحدث فهو السماء والأرض ، وما بينهما . وأما زمان الحدث فهو الليل والنهار . إذن فالحق قد تكلم عن خلق الزمان من بعد أن أعلن لنا أنه خالق المكان .