ولا يصبر على انقطاع الهواء عنه للحظات . ولذلك لا يملّك اللّه الهواء لأحد أبدا ، وهكذا عرفنا أن الهواء من جنس الأرض ، وعندما يسير الإنسان فالهواء يحيطه ، وعلى ذلك فهو يسير في الأرض . وهذا من الإعجاز الأدائى في القرآن ونقرأ قوله الحق :
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
( من الآية 36 سورة النحل )
وهنا في سورة الأنعام يقول الحق سبحانه :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
( 11 )
( سورة الأنعام )
ما الفرق بين الاثنتين ؟ خصوصا ونحن نعلم أن الفاء من حروف العطف وكذلك « ثم » هي أيضا من حروف العطف وكلتاهما حرف يفيد الترتيب ، ولكن الفارق أن الفاء تعنى الترتيب مع التعقيب أي من غير تراخ ومضى مدة . . مثل قولنا : جاء زيد فعمرو ، أي أن عمرا جاء من فور مجىء زيد من غير مهلة . ولكن « ثم » تعنى طول المسافة الزمنية الفاصلة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فعندما يقول الحق :
فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ
( من الآية 36 سورة النحل )
فكأن النظر والتدبر هو المراد من السير وبذلك يكون سير الاعتبار .
ويقول الحق :
« قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ »
يعنى أن الإنسان قد يسير في الأرض للتجارة أو الزراعة أو لأي عمل ، وعليه أن يتفكر في أثناء ذلك وأن يتأمل . إذن فهناك سير للاعتبار وسير للمصلحة . والسير للاعتبار يعنى أن يأخذ الإنسان العبرة مباشرة ، أما السير للمصلحة فهو أن يأخذ الإنسان العبرة ضمن المصلحة . وكان سير قريش بقوافلها إلى الشام واليمن يجعلها قادرة على أن ترى آثار المكذبين سواء من أهل ثمود أو قوم عاد أو غيرهم . وكان عليهم أن يأخذوا العبرة في أثناء سعيهم لتجارتهم .
ويقول الحق لرسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من بعد ذلك :