ومن بعد ذلك جاءت سورة الأنعام ، وهي مكية . وجاءت المكية بعد المدنية في الترتيب المصحفى حسب ما انتهى إليه آخر عرض للقرآن في آخر رمضان من حياة سيدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع جبريل عليه السّلام . ومن المعلوم أن القرآن له « ترتيب نزولى » و « ترتيب مصحفى » . والترتيب النزولي حسب ما نزلت سور القرآن في مكة أو المدينة . ورب قائل يقول : إن الحق أنزل هذا القول الكريم فوق عرفات وهو قوله سبحانه :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
( من الآية 3 سورة المائدة )
فكيف يقال ذلك ؟ .
نقول : لنفهم معا معنى الاصطلاح القائل : « مدنى » و « مكي » ، هناك آيات من القرآن نزلت بالمدينة ، وآيات أخرى نزلت بمكة ، وآيات ثالثة نزلت فيما بينهما ، وآيات رابعة نزلت بين السماء والأرض . وجاء الاصطلاح « مكي » على الآيات التي نزلت قبل الهجرة ، وجاء الاصطلاح « المدني » على الآيات التي نزلت من بعد الهجرة ، وإن نزلت بمكة .
وأراد الحق أن يكون للقرآن ترتيب نزولى وترتيب مصحفى ، وقد شاء سبحانه أن يعدل بالقرآن ميزان الكون الإنسان المضطرب ، واضطراب الكون الإنسان إنما يكون بواسطة أناس لا يؤمنون بإله ، أو بأناس يؤمنون بإله ويشركون معه غيره فيعبدون أوثانا ، ويقولون :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
أو بأناس يعبدون النار ، أو بأناس تابعين لمنهج سماوي ولكن حرفوا فيه قليلا أو كثيرا .
إننا نجد أن الأقرب إلى الإيمان باللّه هم الأجناس الذين آمنوا بالرسالات السابقة على رسول اللّه ، فقد جاءتهم الرسل ومعهم المعجزات ، ومعهم كتب المناهج ، والمنطق يقتضى أن يكون هؤلاء هم الأقرب للإيمان من غيرهم ، ولذلك كان من المطلوب أن نواجه أولا الوثنيين ونصفى المعركة مع أهل الكتاب من بعد ذلك ؛ لأن أهل الكتاب لهم إلف بنزول منهج السماء إلى الأرض بواسطة الرسل .