تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3482

مساهمون:

ص٣٤٨٢
والسماء والأرض هما ظرفان للوجود وللكائنات كلها من أبراج وكواكب وشمس وقمر ونجوم وهواء وغمام وماء وحيوان وإنسان . فالأرض وهي الملك الأسفل الذي نراه وما فيه من أقوات وحيوان وإنسان . والسماء وما تحوى وتضم من الملكوت الأعلى ، هما جميعا للّه ملكا وملكا فهو - سبحانه - الذي يملك كل شئ ويملك كذلك المالك للشئ . وقول الحق :
« لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ »
ينطبق مع قول المسيح عيسى ابن مريم :
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( سورة المائدة ) أي أنه ليس لشئ من خلق اللّه أن يخرج عن مرادات اللّه ، أما في الدنيا فقد جعل اللّه أسبابها في أيدي الناس ، رزق إنسان في يد إنسان آخر ، وملّك بعضنا أمر بعض ، فهناك مالك الطعام ومالك الثوب ، ولكن ليس كل مالك ملكا ؛ لأن الملك هو الذي يملك المالك ، وهذه سنن الكون . وفي الآخرة هناك مالك واحد هو مالك يوم الدين . فكأن الحق أنهى هذه السورة بالحديث عن نهاية الحياة ؛ لأنه سبحانه قد بدأها بالحديث عن أحكام اللّه فقال :
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ
( من الآية 1 سورة المائدة ) لقد تكلم سبحانه في الأحكام عن الصيد في البر والصيد في البحر وعن الحلال والحرام من الأنعام وعن النكاح ، وعن كل ما يتعلق بمسئوليات الحياة ، وملّك بعضنا أمر بعض ، لكن في اليوم الآخر فالمسألة مختلفة . فبدأ السورة بأمر هو :
( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) .
إن كل أمر ورد من الآمر الأعلى ، فالمأمور يفعل أو لا يفعل . فهناك من الناس من يؤمن ومن يعصى ، ومعنى ذلك أن المأمورين لهم حرية الاختيار ، فلو كان الأمر لا بد أن يفعل دون اختيار لكان الآمر قد خلق الخلق وهم مفطورون على أن يفعلوا فيكون بذلك قد قهرهم ، لكن الآمر الأعلى ترك هذه الأوامر لاختيار البشر ، وهم صالحون للطاعة والوفاء بالعقود ، وهم صالحون للمعصية .