تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3486

مساهمون:

ص٣٤٨٦
إذن ففي نزول القرآن كانت الأمور المكية التي تتعلق بالعقيدة الأساسية هي الظاهرة . وهي الاعتراف بألوهية واحدة تحكم الكون . أما في المدينة فقد ناقش الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أهل الكتاب في كل أمور الدين بعد أن استتب أمر التوحيد . لقد كان هذا الترتيب منطقيا مع هذه الحقيقة . فقد كان في العالم موجتان اثنتان : موجة إلحاد ، وموجة تغيير في منهج اللّه السماوي . ولذلك كانت قلوب المسلمين مع قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مع أهل الكتاب ؛ لأنهم على الأقل يؤمنون بإله ، وأن الإله يرسل الرسل ومعهم المنهج الإلهى والمعجزات الدالة على صدق رسالتهم ، وحتى الذين انحرفوا من أهل الكتاب كانوا يتمسحون في هذا الكتاب المنزل إليهم بالرغم من أنهم حرفوه . لقد وجدنا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقف بجانب الروم عندما واجهوا فارس . وعندما هزمت الروم حزن المسلمون وفرح الكفار ؛ لأن الروم كانوا أهل كتاب ، إنهم كانوا نصارى ، وكانت هزيمتهم تعنى انهزام منطق السماء أمام منطق الإلحاد ؛ لذلك حزن المسلمون ، وفرح الكفار . وأراد اللّه أن يصور لنا الموقف ، وأن يوجه قلوبنا إلى الذين يؤمنون أيضا بأن هناك إلها حتى ولو كانوا قد أخطأوا في تصور هذا الإله وفي البلاغ عنه ، أو أخطأوا في تأويل ما جاءت به الرسل فقال سبحانه :
ألم ( 1 ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( 2 ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( 3 ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( 4 ) بِنَصْرِ اللَّهِ
( سورة الروم ) إنّ المسلمين يفرحون بنصر الروم على فارس ؛ لأن الروم لهم علاقة بالسماء ، والرسل ، والمناهج ، والوحي . وجعل اللّه الأمر واضحا هكذا لكي يبين موقفنا وليجعلها إعجازا لكتابه ولرسوله ؛ لأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان موجودا بمقر الدعوة وهو الجزيرة العربية ، وليس عنده سفارات ولا مخابرات ولا مكتب حربي حتى يأتيه بالأخبار وينبئه عن استعدادات الروم التي تجرى لرد الهزيمة .