تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3484

مساهمون:

ص٣٤٨٤
إنّ الإنسان يوم القيامة سيصير بلا اختيار لأن الحق استعمل « ما » هنا وهي تدل على الأشياء غير العاقلة أي التي لا اختيار لها . كأن العقل له عمل في الدنيا وهو التمييز بين البدائل ، أما في الآخرة فالكل متساو أمام خالقه . وعلمنا من قبل الفارق بين « ملك » و « ملكوت » . وكلنا يقرأ قول الحق :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( من الآية 75 سورة الأنعام ) كأن الحق ينبهنا إلى أن العالم فيه ما يقع تحت الإحساس والإدراك ، وفيه ما لا يقع تحت الإحساس والإدراك . فالذي يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملك . والذي لا يقع تحت الحس والإدراك هو عالم الملكوت . ولا نعرف عن عالم الملكوت إلا ما أخبرنا به اللّه . وهناك في عالم الملك ما يخفيه اللّه عنا ، وسبحانه وحده هو القادر على كل شئ ، والحق يطلب منا أن نعتبر بما في العالم المشهود من ظواهر . وله سبحانه مطلق العلم بعالم « الملكوت » أي ببواطن هذه الظواهر غير المشهودة . و « الملك » و « الملكوت » موجودان في الدنيا والآخرة ، إلا أن الملك ظاهر والملكوت خفى . ويوزع الحق سبحانه وتعالى أسباب الملك في الدنيا بين أيدي خلقه ، ويملك التصرف فيما بين أيدينا وفيما خفى عنا ، ويشاء الحق أن ينهى هذه المسألة من مبررات الخلافة للإنسان على الإنسان في الأرض فيقول :
« لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ »
فلله الملكوت ، ولكم بعض الملك أيها العباد في ظواهر نسبة الأشياء إلى أسبابها وذلك في الدنيا ، أما يوم القيامة فكل شئ ينتهى إلى اللّه . ولكن لماذا قال الحق :
« وَما فِيهِنَّ »
على الرغم من أن الحق استخلف الإنسان في الأرض ، والإنسان عاقل وكان من حقه أن يغلّب فبأتى القول : ومن فيهن ؛ لأن ( من ) للعاقل ، لقد أراد الحق بذلك أن ينبئنا أن الكل أصبح لا اختيار له ، وأصبح مقهورا على المراد منه فقد تساوى الجميع عاقلهم وغير عاقلهم فيقول لنا :
« وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » .
وبهذه الآية ختمت سورة المائدة . وهي سورة مدنية ، وهي من آخر ما نزل من القرآن الكريم . وفيها التشريع . وفيها التكاليف . وفيها الأحكام . وفيها ما يتعلق بكل السور المدنية من بيان اعوجاج أهل الكتاب .
تفسير الشعراوي — صفحة 3484 | محمد متولي الشعراوي