أَ أَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي
( من الآية 17 سورة الفرقان )
إن الكل عباد للّه يوم القيامة ، والكل ينفذ مراد اللّه ، ولا ولاية لأحد على أي شئ من أبعاضه وجوارحه ، فالعين التي كانت مسخرة للعبد في الدنيا تأتمر بأمر العبد فيختار أن يرى الحلال أو يرى الحرام ، هذه العين تسترد حريتها من صاحبها فلا ولاية له عليها في اليوم الآخر ، وكذلك اليد واللسان والجلد والقدم ، وكل الأبعاض . وتكون النفس الإنسانية في الدنيا كقائد لكل الأبعاض والجوارح تنفذ أوامر الإنسان سواء للخير أو للشر ، وسواء للطاعة أو للمعصية . لكن هذه الأبعاض والجوارح تنطلق يوم القيامة لتشهد على كل ما فعل الإنسان ، فليس لأحد مراد غير مراد اللّه :
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
( من الآية 16 سورة غافر )
لقد انتهت مرادات البشر وبقي مراد اللّه فصار الكل عبادا للّه . وعلى هذا فليس هناك إشكال في قول عيسى :
« إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ » .
ونعلم أيضا أن كلمة « عبيد » تشملنا كلنا فيما نحن غير مخيرين فيه مثل إرادة التنفس أو ميعاد الميلاد أو ميعاد الموت ، ولكن المؤمنين يرتقون من « العبيدية » إلى « العبادية » بتنفيذ منهج اللّه ، أما الكافرون والعصاة فهم يعصون اللّه بما لهم من اختيار ويسيرون في درب العصيان معاندة لمنهج اللّه . وحتى يثبت الحق لنا جميعا أن الكافرين مجرد عبيد فهو يصيبهم بالمرض والفاقة والآلام النفسية العميقة ولا يجرؤ واحد منهم أن يصادم مراد اللّه في هذه الأحداث التي يجريها عليهم . ولذلك فالمؤمن يشكر الحق باختياره لأن اللّه حماه بأدوات الاختيار وجودا ونضجا وعدم إكراه .
ولنا أن نلحظ أننا كلنا في يوم القيامة - كما قلنا من قبل - نصير عبادا للّه فلا مراد لأحد فينا على أي شئ ، وكل المراد يكون للّه ، وقد أورد الحق سبحانه ما جاء على لسان عيسى عليه السّلام فقال :
« إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
وهذا التذييل لكلمات عيسى ابن مريم لم يأت باعتذار أو طلب الحنان من اللّه على الذين كفروا باللّه وأشركوا به ، فالعزيز الحكيم هو الذي لا يغلب على