تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3425

مساهمون:

ص٣٤٢٥
إذن فالأسئلة التي سألوا عنها لم يجبهم عنها لأنه سبحانه قد عفا عنها . والعفو - كما نعلم - مأخوذ من عفّى الأثر أي أذهب الأثر . وعفو اللّه من مغفرته ورحمته . ويقول الحق بعد ذلك :

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 103 ]

ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 103 ) وهذه الآية جاءت في السورة التي أحل اللّه فيها بهيمة الأنعام ، وحرّم منها ما حرّم . فهو سبحانه الذي خلق الإنسان ، وخلق له ما يستبقى حياته من قوت ، وما يستبقى نوعه بالتزاوج . وإذا كان الحق هو الذي جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد أعدّ له كل هذه المقومات للحياة من قبل آدم عليه السّلام ، أعدّ سبحانه لخلقه الأرض والسماء والماء والهواء ، ومما ذخر وخبّأ وأوجد في الأرض من أقوات لا تنتهى إلى يوم القيامة . ولنا أن نلتفت إلى فارق مهم بين « الخلق » ، وبين « الجعل » . فالخلق شئ ، والجعل شئ آخر . والخلق هو إيجاد من عدم . والجعل هو توجيه مخلوق للّه إلى مهمته في الحياة . فخلق اللّه لا يخلقون شيئا ، إنما الخلق والإيجاد له سبحانه . وعلينا - نحن الخلق - أن نخصص كل شئ لمهمته في حياته التي أرادها اللّه ، أي أن نترك « الجعل » للّه ولا نتدخل فيه ، بمعنى أن الخالق سبحانه وتعالى خلق الخنزير - على سبيل المثال - ليأكل من القاذورات وليحمى الإنسان من أمراض وأضرار كثيرة ، وعلى الإنسان - إذن - أن يخصص الخنزير لهذه المهمة فلا يحوّله إلى غير مهمته كأن يأكله مثلا ؛ لأن تحويل مهمة مخلوق للّه إلى غير مهمته هو أمر يضر بالإنسان الذي أراده اللّه سيدا مستخلفا في الكون .