تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3397

مساهمون:

ص٣٣٩٧
وسبحانه وتعالى العالم بكل شئ قبل أن يحدث . لكن هناك فرق بين علم وعلم ، إن علم اللّه أزلي لا يتخلف ، ولكن هذا العلم ليس حجة على الناس ؛ لأن الحجة على الناس هو ما يقع منهم فعلا ، ولذلك كان الابتلاء . وأسوق هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - إن الوالد قد ينظر إلى أحد أبنائه ويقول : إنه يلعب طول السنة ومن الأفضل ألا ندخله الامتحان ؛ لأنه سوف يرسب . ولا يدخل الابن الامتحان ، ولكن الوقاحة تصل به إلى الحد الذي يقول فيه : لو كنت دخلت الامتحان لكنت من الناجحين . ولو كان والده أدخله الامتحان ورسب ، لكان هذا الرسوب حجة عليه . إذن فعلم الحق لا يلزمنا الحجة ، إنما العلم الواقعي هو الذي يلزمنا بها . وقد حدثت هذه الابتلاءات في النبوّات كثيرا . ومثال ذلك ابتلاء الحق لليهود بتحريم الصيد يوم السبت ، فكانت الحيتان تأتى في هذا اليوم مشرعة وكأنها تلح عليهم أن يصطادوها . وفي الأيام الأخرى لا تأتى الحيتان ، فيحتالون لعصيان الأمر باختراع نوع من الشباك السلكية تدخل فيها الحيتان ، وتظل حية ومحبوسة فيها إلى يوم الأحد فيأخذونها . وتكون حيلتهم هي دليل الغباء منهم ؛ لأن الصيد قد تم بالنية والعمل والاستعداد المسبق . وكان الابتلاء في الإسلام بشئ من الصيد .
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ » .
وقد علمنا من قبل قوله الحق :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها
( من الآية 229 سورة البقرة ) فإن كانت المسائل مأمورات فعلينا أن ننفذها . وإن كانت نواهى فيجب ألا نقربها حتى لا نقع فيها فتكون حجة علينا ؛ لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : ( الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتّقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه . ألا وإن لكل ملك حمى ، ألا وإن حمى اللّه في أرضه محارمه ) « 1 » .
هامش
( 1 ) رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن النعمان بن بشير .