إبليس ، والعبد في أثناء أداء المشاعر - إنما ينتقل من مراد نفسه إلى مراد ربه ، فيقبل ويعظم حجرا ويرجم حجرا آخر ، وهكذا صفيت العبودية بالنسبة للناس فاستطرقوا ، وصفيت العبودية بالنسبة للحيوان والنبات والجماد .
ويلفتنا سيدنا عمر رضى اللّه عنه فيقول للحجر الأسود : « أنا أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ، ولولا أنى رأيت رسول اللّه يقبلك ما قبلتك » .
كأن سيدنا عمر رضى اللّه عنه يعلمنا حتى لا يقول أحد : إنها وثنية ، فالوثنية أن تعبد حجرا بمرادك ، أما الحجر الأسود فنحن نعظمه بمراد اللّه .
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
( 94 )
( سورة المائدة )
ما الفرق بين ما تناله الأيدي وما تناله الرماح ؟ . ما تناله الأيدي هو صغار الأفراخ والأشياء السهلة اليسيرة ، أما ما تناله الرماح فهو ما تصطاده بجهد وبالرمح رحسن تصويبه . وقال الحق :
« وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ » *
لأن هناك فارقا بين أن يلح الإنسان على المعصية فيفعلها ، وبين أن يصل إلى منزلة لا يلح فيها على معصية ، بل قد تقع عليه المعصية ، وإن وقعت عليه المعصية فهو لا يرتكبها .
كأن الحق يبتلينا ما دمنا لا نلح على المعصية ، ويريد أن يرى ماذا سيكون التصرف منا إن جاءت المعصية إلينا فهل نفعلها أو لا ؟ . فإن كان الإيمان قويا فلا أحد يقرب المعصية . ولذلك يبتليكم اللّه بشئ من الصيد المحرّم عليكم بأن يجعله في متناول أيديكم .
حدث ذلك في الحديبية لقد كاد الصيد يضع نفسه بين أيدي المؤمنين ولم يقربوه وكان هذا اختبارا . ونعلم أن الابتلاء غير مذموم في ذاته ، إنما المذموم فيه الغاية منه ؛ لأن الابتلاء اختبار ، وقد ينجح إنسان ، وقد يفشل إنسان آخر . وكأن الحق قد ابتلى المؤمنين بأن جعل الصيد يتكاثر أمامهم حتى يقوى عود الإيمان في قلب المؤمن فلا يتهافت على المعصية وتتكون لديه المناعة وذلك .
« لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ »