ومن بعد ذلك ننظر إلى الجنس الأدنى وهو الحيوان ، ويعلمنا الحق الأدب مع هذا الجنس فيأتي بتحريم صيده . ويعلمنا الأدب مع الزرع الذي تحت الحيوان فيمنع المسلم من قطع شجر الحرم . وهكذا تصفى كل هذه المسألة ، وتصبح العبودية مستطرقة في الجميع .
وتزول في الحج كل الألقاب والمقادير المتباينة من فور اتجاههم إلى الحج ، وحول الكعبة يرى الخفير الوزير وهو يبكى ، ويشعر الجميع أن الكل سواء ، والحق يقول :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
( من الآية 97 سورة آل عمران )
فالحيوان يأمن وكذلك النبات ، هذا ما أمر به الحق في دائرة الحرم ؛ لأن ذلك تدريب للإنسان على أن يخرج من النعمة إلى المنعم . ومن بعد ذلك يدخل إلى المسجد ويطوف حول الكعبة . ونجد الإنسان - سيد الوجود - يقف من كل ما يخدمه في الوجود موقفا مختلفا ، فالحيوان يأخذ كرامته وكذلك النبات ، وكذلك الجماد يأخذ أيضا كرامته ، فمن عند الحجر الأسود يبدأ الطواف سبعة أشواط .
في الحج ينفض الإنسان أي طغيان عن نفسه ويتساوى مع كل الناس ، ينفض طغيانه أمام الجنس الأدنى وهو الحيوان فحرّم عليه صيده - ونعلم أن الحيوان يغذى الإنسان - وينفض أيضا طغيانه مع النبات - والنبات يغذى الإنسان - فحرّم قطعه .
وينفض الحق كبرياء الإنسان أمام الجماد - وهو أحط الأجناس - فأمر الحق الإنسان أن يستلم الحجر الأسود أو أن يقبله ، وإن لم يستطع من الزحام فعليه الإشارة للحجر ، ومن لم يستطع استلام الحجر أو تقبيله فقد يخيل إليه أن حجه لم يقبل وذلك زيادة منه في التعلق بالمناسك والاحتياط في أدائها .
كل ذلك حتى يحقق اللّه سبحانه وتعالى استطراق العبودية ، ودائما نجد من يتساءل : وكيف نقبل الحجر على الرغم من أن اللّه قد نهانا عن الوثنية وعبادة الأصنام ؟ ونقول : إن الحجرية ليست لها قيمة في هذا المجال ، ولكن رب الإنسان والحيوان والنبات والحجر هو الذي أمرنا بذلك ، بدليل أننا نرجم حجرا آخر هو رمز