تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3380

مساهمون:

ص٣٣٨٠
وهنا جاءت المسألة أيضا على هذا الشكل ، فبدلا من أن تكون حكما من اللّه أصبحت حكما من العبد المأمور . وهذا أبلغ أنواع الحكم ؛ لأن المتكلم يلقى بالأمر في صيغة سؤال ، ليدير المسؤول كل جواب فلا يجد إلا الجواب الذي يريده السائل . ومثال ذلك عندما فتر الوحي عن حضرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقال أهل قريش : إن رب محمد قد قلاه وأبغضه وكرهه ، ثم نزل الوحي على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقوله تعالى :
ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى
( 3 ) ( سورة الضحى ) ويتابع الوحي :
أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى
( 6 ) ( سورة الضحى ) وعندما يستقرىء النبي صلّى اللّه عليه هذه المسألة يجيب : نعم يا رب أنت وجدتنى يتيما فآويتنى . وهذا يسمونه مشاركة المأمور في علة الآمر . وهذه أبلغ أنواع الأمر . وعندما يقول الحق :
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ »
يعلم المخاطبون ماذا يريده اللّه ، فيقولون : نعم انتهينا يا ربنا . وبالغوا كثيرا في هذا الانتهاء ، فالإمام علىّ - كرم اللّه وجهه - يقول : لو وقعت قطرة منها في بحر ثم جف البحر ، ونبت فيه الكلأ واندلع لساني من الجوع ما قربته . ولم يكن هذا أمرا مفروضا ، ولكنها المبالغة في الانتهاء على أقصى صورة . وها هو ذا سيدنا عمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - يقول : لو وقعت قطرة منها على يدي لحرمتها على نفسي . وهكذا كان رد فعل قول الحق :
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » .
وبذلك تم حسم مسألة الخمر . ونعرف أن التكليف في تحريم الخمر جاء متدرجا ، والتكاليف الإيمانية إنما تأتى على لسان رسول ، والرسول لا يأتي إلا إذا عم الفساد في المجتمع ، وفي ذوات البشر في آن واحد . فلا نجد من يلوم نفسه ، أو يتدخل ليرد آخر عن فساده ؛ هنا تتدخل السماء بإرسال رسول ، ولا تصب السماء كل أحكامها في أوّل الأمر ، ولكنها تدعو من خلال الرسول بالإيمان باللّه الواحد حتى