والتقطوا موسى لماذا ؟
لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
( من الآية 8 سورة القصص )
فهل عرفوا هم من البداية أنه عدو ؟ لا ، لقد التقطوه ليكون قرة عين لهم ، ولكن اللّه أفسد مرادهم . فاللام في قوله :
« لِيَكُونَ »
هي لام الغاية والعاقبة وليست لام العلة الفاعلة ، وقد أثبت سبحانه بذلك أن فرعون ليس إلها ، وأن أتباعه كانوا قوما مغفلين لا فطنة لهم . فلو كان فرعون إلها لعرف أن هذا الوليد الذي سيربيه سيكون عدوا له .
والعداوة هنا هل هي من ناحية موسى فقط تجاه فرعون ؟ لا ، إنها عداوة بين اللّه وموسى كطرف ، وفرعون كطرف . لذلك قال :
فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ
( من الآية 39 سورة طه )
ولم تنته هذه العداوة إلا بغرق فرعون . والحق ينبهنا :
( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ )
و « في » هنا هي للسببية كقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : « دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت » « 1 » .
ونقول في حياتنا اليومية : أخذ فلان إلى الحبس لمدة أعوام في قطعة مخدرات . أي أنه أوقع نفسه في المكروه بسبب شئ ما . وقوله الحق :
« فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ »
دلت على أن العداوة والبغضاء مظروفة في الخمر والميسر . ويقول بعد ذلك :
« وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » .
إن ذكر أي أمر يعنى أن يكون هذا الأمر في بؤرة الشعور دائما ، فكل معلومة يذكرها الإنسان تكون في بؤرة شعوره ، ومن بعد ذلك تتحرك لتحل محلها معلومة أخرى . وعندما يكون بال الإنسان مشغولا بشئ فهذا الشئ لا يتزحزح من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلا بعد أن يأتي أمر آخر يشغل البال .
هامش
( 1 ) رواه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة .