سمعت كلمة « يوقع » ، فافهم أن هناك شيئين الأصل فيهما الالتحام ، وهناك من يريد أن يجعل بينهما شيئا يفصل هذا الالتحام . ولذلك يقال : « فلان مشى بالوقيعة » أي أنه أراد أن يصنع فجوة وشرخا بين اثنين الأصل فيهما الالتحام .
وكلمة « بينكم » تفيد الانفصال . وهذا الانفصال هو الذي توضع فيه الوقيعة .
لماذا ؟ لأن المؤمنين إخوة ، ولأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، والشيطان يسعى بالخمر والميسر بأن يمشى بالوقيعة بين المؤمنين . ونجد مجالس الخمر فيها هذا ؛ فالشاربون معا كثيرا ما تقوم بينهم المعارك ويدور بينهم السباب . ولاعبو الميسر يأخذ بعضهم مال بعض ، وهكذا يتحولون من وحدة كالبنيان إلى فرقة وتحدث بينهما العداوة والبغضاء .
وما الفرق بين العداوة والبغضاء ؟ العداوة هي انفصال متلاحمين حدثت بينهما عداوة وبغضاء . والبغضاء هي انفعال القلب بشئ مكروه .
كأن البغضاء توجد في الصدور بعد حصول العدوان ، فكأن العداوة تكون هي المنطقة الوسط التي باعدت بين هذين الشخصين بعد أن استسلما لنزغ الشيطان .
وهذان الاثنان كان يجمعهما من قبل الصفاء والمودة والحب والأخوة الإيمانية .
والعداوة في هذه الحالة تأخذ من مشاعر كل طرف ؛ لأن العداوة إن كانت من طرف واحد فعمرها قصير ، ولكنها تطول إن كانت بين طرفين . ولذلك تكون المعركة حامية بين عدوين يستشعر كل منهما العداوة للآخر . وهي تكون عداوة مؤججة وملتهبة إن لم يتدخل طرف ثالث ليحسم بالحق بين الاثنين ، فيخزى الذي على الباطل ويأخذ الحق منه ويعطيه لصاحبه ، وهنا يحس صاحب الحق أن هناك من ينصره . وبهذا تحسم العداوة وتنقضى . لكن إن لم يجد الطرفان رادّا ولا رادعا ، تظل العداوة متوهجة . ولذلك حينما عرض الحق أمر موسى عليه السّلام وأمر فرعون ، قال عن موسى :
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ
( من الآية 8 سورة القصص )