ولذلك نقول : إياكم أن تعتقدوا أن الذهن يفهم أي أمر من مرة واحدة أو من مرتين أو من ثلاث مرات . لا ، بل يفهم الذهن من مرة واحدة كآلة التصوير ، والمهم أن يكون ساعة التقاط المعلومة خاليا من غيرها ؛ ولذلك كنا نعرف أن إخواننا المكفوفين الدارسين معنا أقدر على الاستيعاب الحفظى منا نحن المبصرين ؛ لأن المبصر عندما يكون بصدد مسألة قد تنشغل عيناه بشئ ، فتكون بؤرة شعوره مشتتة . أما الأعمى فبؤرة شعوره تذكر فقط ما يسمعه .
وهكذا نعرف ما هو « الذكر » . والخمر تطمس العقل وتستره فكيف يذكر اللّه إذن ؟ وكذلك الصلاة ، وهي خير الذكر ، تسترها الخمر عنا . وكذلك الميسر الذي يلوح فيه الوهم بالكسب كالسراب ، فيلهث اللاعب خلف اللعب لعله يكسب ، ويفقد القدرة على ذكر اللّه والصلاة .
ولأن العداوة مسبقة بين الإنسان والشيطان ، نجد الشيطان قد قال فيما يحكيه الحق عنه :
فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ
( 82 )
( من الآية 82 سورة ص )
قد عرف الشيطان كيف يقسم ؟ أقسم بعزة اللّه أن يغوى خلقه ، فلو أن اللّه أراد عباده لما أخذهم الشيطان . ويذيل الحق أمر الخمر والميسر بقوله :
« فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ » .
هذا استفهام ، وهو طلب فهم الشئ ، هذا ما نعرفه عندما يكون الاستفهام من البشر ، ولكن عندما يصدر هذا الاستفهام من اللّه لنا ، فهذا أمر الآمر سبحانه وتعالى . كيف ؟ إن هناك أمرا من الآمر هو حكم لازم . وهناك أمر يريده اللّه من المأمور ليأمر به نفسه .
وهي ثقة من الآمر الأعلى في الإنسان المؤمن الذي يتلقى مثل هذا الأمر . ومثال ذلك - وللّه المثل الأعلى - يقول الأب لأحد أبنائه : إن إهمالك لدروسك سيجعلك تنال غضبى واحتقار زملائك لك وتتأخر عن غيرك ، فهل ستنتهى من اللعب واللهو أو لا ؟ ولم يقل : انته عن اللعب ؛ لأن الأب أراد أن يأتي بالحيثيات حتى يحكم الابن بنفسه ، وحتى يدير المسألة بمقابلها ، ولا يجد إلا أن يقول : لقد انتهيت عن اللعب .