لقد ميز اللّه الإنسان عن الحيوان بالاختيار بين البدائل بالعقل ، ولذلك لا يصح ولا يستقيم من الإنسان أن يطمس هذه القدرة بالخمر . فإن طمس قدرة الاختيار ، فإن غرائزه في هذه الحالة لا تنفعه لأنها غير مؤهلة لحمايته ، ولذلك نجد الذي يطمس عقله يضع نفسه في مرتبة أقل من الحيوان ؛ لأن الحيوان تحميه الغريزة ، والإنسان يحفظه عقله ، وهو في هذه الحالة قد طمسه وغطاه ، وقد حرم اللّه الخمر لأنها تستر العقل . وكل ما يستر العقل خمر حتى ولو كان أصله حلالا ؛ وذلك لأن العقل هو مناط التكليف . وكذلك حرم اللّه الميسر .
ولنر دقة الاسم الذي اختاره اللّه للقمار ، إنه « الميسر » ولم يسمه « المعسر » ذلك أن أحدا لا يقبل على الميسر وهو يظن أنه سوف يخسر ، وكل من يلعبون القمار إنما يفعلون ذلك على أمل الكسب ؛ لذلك جاء بالاسم الذي يعبر عن حالة اللاعب للقمار إنه يلعب على وهم الكسب ، وإن كسب فالمكسب يغريه بالمزيد من اللعب .
والخسران يغرى باللعب أكثر لعل كسبا يعوض الخسارة التي منى بها . وقد يبيع اللاعب للميسر كل ما يملك كي يعوض خسارته ومع ذلك فالكسب من الميسر هين على النفس تبدده وتنفقه فيما لا ينفع بل قد ينفقه فيما يضرّ ، فالمكسب ليس له والخسارة محسوبة عليه . والذين يلعبون الميسر مع بعضهم بعضا لا تربطهم صداقة أو محبة . فكل منهم حريص على أن يأخذ ما في جيب الآخر . وهذا اللون من اللعب يعطل القدرة على الكسب الحلال ؛ لأن الكسب الحلال يحتاج إلى حركة في الكون . والميسر يشل حركة الكاسب لأنه يزهد في العمل . والخسران يشل حركة الخاسر لأنه مهما سعى في الأرض فقد لا يستطيع أن يسدد ديونه .
إذن فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يضمن للناس ألا ينتفع أحد بشئ إلا بنتيجة كده وعمله . والحق يريد أن يكون جسد كل إنسان من ناتج عرقه في عمل مشروع وكذلك أجساد من يعول . وأبلغنا أيضا أن الأنصاب رجس من عمل الشيطان .
والأنصاب ثلاثة قداح كانت توجد عند الكاهن ؛ قدح مكتوب عليه أمرني ربى ، والقدح الثاني : مكتوب عليه نهاني ربى ، والقدح الثالث : غفل من الكتابة أي خال منها فلا علامة فيه . فإن كان في نية إنسان السفر أو الزواج أو التجارة فهو يذهب إلى الكاهن ليضرب له هذه القداح . فإن خرج القدح المكتوب عليه أمرني ربى فعل ،
تفسير الشعراوي — صفحة 3369
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٣٦٩