فإذا وقفت عند معصية بذاتها فاعلم أن ذلك من عمل نفسك ، وإن انتقلت بالوسوسة من معصية عزت على الشيطان إلى معصية أخرى فاعلم أنها من عمل الشيطان ولا دخل للنفس بها . والعاقل الذي يتمعن في كل تلك المسائل المحرمة يرى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام هي أمور لا تستطيبها النفس غير المنزوغة من الشيطان ، فكأن قوله الحق :
« رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ »
يدلنا على أن العاقل لا يمكن أن يصنع هذه الأشياء .
ويذيل الحق الآية :
« فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » .
ويأمرنا سبحانه باجتناب الرجس الذي جمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام ، والاجتناب هو أن يعطى الإنسان الشئ المجتنب جانبه ، أي المنع للذرائع والأسباب والسد لها ؛ لأنك إن لم تجتنبها فمن الجائز أن قربك منها يغريك بارتكابها . وبعض الناس يظنون أن الخمر لم يأت لها تحريم وإنما جاء الأمر فيها بالاجتناب .
ونقول لهم : إن التحريم هو النص بعدم احتسائها ، وأما الاجتناب فهو أقوى من التحريم لأنه أمر بعدم الوجود في مكانها . فإذا كان الحق قد قال في قمة العقائد :
فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ
( من الآية 30 سورة الحج )
فقد قال هنا اجتنبوا الرجس الذي يجمع الخمر والميسر والأنصاب والأزلام .
والحق سبحانه وتعالى واجه العادات التي شاعت قبل الإسلام ليخلع الفاسد منها ولم يجابهها دفعة واحدة وذلك لتعلق النفس بها والإلف لها ، وإنما كان التحريم لها بالتدريج . لقد حزم الإسلام الأمر أولا في مسائل العقائد ، أما الأمور التي تترتب على إلف العادة فكان تحريمها على مراحل .
وحين يقول الحق سبحانه وتعالى عن شئ إنه : « رجس » ، فذلك حكم الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . ونحن نقبل هذا الحكم حتى ولو لم نفهم نحن معنى الرجس ، أو لم نتأكد ماديا من أن الشئ المحرم هو من الرجس ، ذلك أنه يكفى في ذلك حكم اللّه الذي يرضخ له العبد المؤمن الذي قبل التكليف من