تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3367

مساهمون:

ص٣٣٦٧
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
( 90 ) ( سورة المائدة ) أي إن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كلها رجس من عمل الشيطان . والرجس هو الشئ الردىء الخبيث القذر . والقذارة والخبث هما من الأمور التي قد تكون حسية مثل الخمر ، وقد تكون معنوية كالأنصاب والأزلام ؛ وجمع الحق سبحانه في هذه الآية الأمرين معا . ولم يقل إن الخمر هي عصير العنب أو عصير التفاح ، إنما جاء بالخمر التي تشمل كل ما يخامر العقل ويستره . وتعجب بعض العلماء من أن هذه الآية نزلت في البلاد التي ليس فيها شئ من عصير العنب ، ذلك أنهم ظنوا أن عصير العنب فقط هو الذي يستر العقل ، لكن الحق جاء بالتحريم الشامل لكل ما يستر العقل . لماذا إذن تكون الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسا من عمل الشيطان ؟ إنّ الحق سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وجعله خليفة في الأرض وسخر له كل شئ في الوجود وطلب منه أن يعبده وحده وأن يعمر هذه الأرض . وأراد الحق أن يضمن للإنسان سلامة أشياء متعددة ؛ سلامة نفسه فلا يعتدى عليها بالقتل أو غير ذلك ، وسلامة عقله فلا يجنى عليه بما يستر آلية الاختيار بين البدائل ، وسلامة عرضه فلا يلغ فيه أحد وحتى تأتى الأنسال التي تعمر الكون وهي أنسال طاهرة ، وسلامة ماله حتى يحفظ على الإنسان أثر حركته في الحياة وحتى لا يأخذ غيره أثر حركته ، وذلك حتى لا يزهد العامل في العمل ولا يعود الطاقات أن تأخذ من غير عملها فتكسل وتتواكل ، فالإنسان إذا ما اعتاد أن يأخذ من غير عمل صار العمل صعبا عليه ، وهكذا كانت صيانة المال لا تبدد طاقة ولا تهدر حقا ، ولا تعطى غير ذي حق حقا لغيره ، وهكذا حتى لا يشيع العجز الاصطناعى في الكون . ولذلك قال الحق وهو مانح كل مال :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً
( من الآية 245 سورة البقرة )
تفسير الشعراوي — صفحة 3367 | محمد متولي الشعراوي