أي أنه - وهو المانح سبحانه وتعالى - قد احترم حركة الإنسان فلا يستمرىء أحد البطالة . وعندما تنتشر البطالة فإن الإسلام يعالج الأمر بحكمة بالغة ؛ فهو يطلب من الوالي أن يسبب لهم الأسباب ليعملوا . وذلك حتى لا يتعودوا على الأخذ بغير عمل لئلا تكون مصيبة على المجتمع . وأراد سبحانه بالشريعة السمحاء أن يحمى الإنسان من كل ما يبدده ، فحينما حرم الخمر ، أي منع عن الإنسان ستر العقل ، ذلك أن ميزة الإنسان على الحيوان هي العقل .
إن الإنسان يختلف عن الحيوان بأنه يحفظ حياته بالعقل ، أما الحيوان فيحفظ حياته بالغريزة . ولذلك فالحيوان لا يملك إلا ردا واحدا إذا ما تم الاعتداء عليه ؛ الكلب يعض المعتدى والقطة تخمش المعتدى ، أما الإنسان فعندما يعتدى عليه أحد فهو يختار بين بدائل للرد على العدوان ، إما أن يضرب وإما أن يقتل وإما أن يسامح .
ومثال لذلك نراه في الريف ، عندما يحاول راكب الحمار أن يجبر الحمار على القفز على قناة صغيرة فيها مياه يرفض الحمار ذلك تماما ومهما ضربه راكبه فهو يرفض القفز ؛ لأن غريزته تمنعه من ذلك . أما الإنسان فقد ينتابه الغرور ويظن أنه قادر على القفز فوق القناة فيقفز لكنه قد يقع في المياه . وتوجد المجازفة عند الإنسان ، لكنها لا توجد عند الحيوان بمقتضى الغريزة .
ومثال آخر من عالم الحيوان . نجد ذكر الجاموس يقترب من الأنثى ليشمها فإن وجدها حاملا لا يقربها ، هكذا الحيوان . أما الإنسان فلا . والحمار يتناول طعامه من البرسيم مثلا ما يشبعه ولا يزيد أبدا في الطعام مهما ضربه صاحبه ؛ لأنه محكوم بالغريزة ، أما الإنسان فقد يأكل فوق طاقته .
وهكذا نجد الغريزة هي التي تعصم الحيوان ، والعقل هو الذي يعصم الإنسان .
ولذلك لا يملك الحيوان القدرة على الاختيار ، ولكن ميزان غرائزه لا يختل أبدا . أما ميزان الغرائز عند الإنسان فقد يختل .
تفسير الشعراوي — صفحة 3368
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٣٣٦٨