تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
( 47 )
( من الآية 47 سورة يوسف )
أي كلوا البعض وليكن قليلا قليلا ، لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن سنين الجدب لتأكلوا فيها ما جمعتموه في سنين الخصب ، اتركوا البعض الآخر .
لاستمرار النوع . وتبين أن أفضل وسيلة لحفظ حبوب القمح في عصرنا هي أن نتركه في سنابله وكذلك الذرة نتركها في غلافها . وكان تعبير الرؤيا دقيقا لأنه يريد أن يستبقى للناس حياتهم في زمن الجدب ، ويستبقى لهم كذلك الضرع الحيواني ، فتأكل الناس الحب ، وتأكل الماشية التبن المتبقى ، وكذلك ضمن الحق مقومات الحياة لكل ما يلزم للحياة . ونلحظ أن المأكول في هذه الآية هو القليل ، أما الباقي فهو الكثير في سنابله ، هذا في أيام الرخاء ؛ فماذا عن أيام الجدب ؟
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ
( 48 )
( سورة يوسف )
أي أن الناس ستأكل في أعوام الجدب الكثير من الحبوب التي في المخازن ويجب أن يحتفظوا بقليل مما يحصنون في هذه المخازن ، وذلك لاستبقاء جزء من القمح للزراعة .
إذن ف ( من ) في قول الحق سبحانه وتعالى :
( وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً )
للتبعيض أي كلوا بعض ما رزقكم اللّه ، فإن كانت الأشياء مما يكون بقاؤها سببا لامتداد نوعها فالنوع يكون متصلا . مثال ذلك رجل عنده بذور البطيخ وزرعها ، وبعد أن جاءت الثمار أكلها هي والبذور فمن أين يزرع في العام القادم ؟ كان يجب أن يحتفظ ببعض منها لتكون بذورا . وكان يجب أن يحتفظ بجزء من البطيخ ليعطى منه الجار أو المحتاج .
إذن فقول الحق سبحانه وتعالى :
« مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ »
تصلح لاستبقاء النوع وتصلح لصرف الزائد إلى غير القادر .
« وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ »
أي أنك حين تتقى من تؤمن به إلها فليس في ذلك غضاضة ؛ لأنك آمنت أنه إله وقوى ، والغضاضة في أن تأتمر بأمر مساو لك ، أما الانقياد والائتمار لأمر الأعلى منك ، فهذا لا يكون سببا في الغضاضة إنما هو تشريف لك وتكريم .