صدق أهل الكتاب مثلكم في إيمانكم ، لكان خيرا لهم مما هم عليه . لكنّ بعضا منهم يدير أمر الإيمان في قلبه ، والكثير منهم يخرج ويفسق عن مقتضى الإيمان .
إذن فهم عندما قالوا :
« آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » ،
فذلك إقرار بأن الإيمان كان إيمان ذات وإيمان بلاغ إلى الغير . وهم بذلك قد دخلوا الإسلام وصاروا من أمة محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - وها هو ذا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول :
« لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » « 1 » .
وها هو ذا الحق يحدد لنا قيمة الكلمة الطيبة المبلغة عن اللّه :
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ ( 24 ) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 25 )
( سورة إبراهيم )
إن الكلمة الطيبة هي شجرة لها من الثمار ما ينفع الناس وتظلل بظلها الحنون سامعها ، ولها أصل ضارب الجذور في الأرض . ولها فروع تعلو إلى اتجاه السماء .
وتعطى الثمار في كل زمن بإرادة خالقها . وهذا المعنى المحسوس ماديا يضربه اللّه كمثل للناس حتى يعرفوا قيمة المعاني السامية . إذن سيظل صاحب قولة الحق في بلاغ منهج الإيمان إلى الناس يقطف ثمار هذه الكلمة ما بقي إنسان مؤمن إلى أن نلقى اللّه .
« فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ »
والشاهد هو المبلغ . وعندما يطلب مؤمن من اللّه أن يكتبه مع الشاهدين فهو يطلب لنفسه المكانة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين . فالشهيد ليس هو من قتل فقط ، إنما الشهيد هو من يعطى شهادته .
والشهيد في معركة إيمانية تفقده حياته هو إنسان أعطى شهادة على أن ما ذهب إليه أثمن من حياته كلها . وهو في ذلك يعطى شهادة عملية . ومن بعد ذلك يقول الحق :
هامش
( 1 ) رواه البخاري في كتاب الإيمان .