أما النزوع فهذا هو الأمر الذي تتدخل فيه الشريعة . ولنا أن نكرر أن الإدراك مباح والوجدان مباح إلا في إدراك جمال الأنوثة ، فالشرع يتدخل من البداية . فأنت قد تدرك جمال المرأة فتجد في نفسك حبا وميلا ، فإذا نزعت فكيف يمكنك أن تضبط نفسك ؟ فأنت بعد الإدراك والوجدان إما أن تنزع وإما أن تكبت . وإن نزعت انتهكت أعراض الناس ، وإن كبتّ ، أصابك القهر والألم ؛ لذلك يتدخل الشرع في هذه المسألة من بدايتها فيمنعك تحريما من أن تدرك ، وذلك بأمر واضح هو غض البصر ؛ لأن المسألة الجنسية من الصعب أن تفصلها عن بعضها ، فالإدراك يمكن فصله عن الوجدان ، والنزوع يمكن فصله عن الوجدان والإدراك في أمر الوردة . أما في المسألة الجنسية فهي سعار . . إما أن يقابله الإنسان بأن يعف وإما أن يلغ . فإن عف الإنسان فهو يكبت ويتوتر ، وإن ولغ الإنسان في أعراض الناس فهذا أمر يسبب هتك أعراض الناس . ولذلك يمنع الشرع من البداية مسألة الإدراك .
وقد جاءت هذه الآية الكريمة قبل أن يأتي علماء النفس ليفسروا أمور الإدراك والوجدان والنزوع ، فها هو ذا الحق يقول :
« وَإِذا سَمِعُوا »
وهذا إدراك بحاسة الأذن . وما المسموع ؟ يجيب القرآن :
« ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ » .
وهذا هو سبب الوجدان الذي يأتي في قوله :
« تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ » .
فكيف يكون نزوعهم بعد هذا الوجدان ؟ إنهم :
« يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ » ،
هذه هي العملية النزوعية . والقرآن الذي نزل من أربعة عشر قرنا ، جاء بترتيب الإدراك والوجدان والنزوع قبل أن يأتي به العلم . فساعة سمعوا بالأذن ، حدث شئ في الوجدان ، والتغير الذي في الوجدان له علامات ظهرت في عيونهم التي فاضت بالدمع .
وهنا نميز بين أمرين : الأول هو اغروراق العين بالدمع ، أي أن تمتلئ العين بالدمع لكن لم تصل درجة التأثر إلى أن تسقط الدموع من العين ، ويقال :
« اغرورقت عين فلان » أي امتلأت عينه بالدموع ولكنها لم تسقط . والثاني وهو فيض الدموع من العين ، والفيض لا يكون إلا نتيجة امتلاء الظرف بالمظروف ، فكأن الدمع قد ملأها امتلاء ، تماما مثلما نملأ إناء أو كوبا إلى النهاية فيزيد ويفيض .