تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 3339

مساهمون:

ص٣٣٣٩
هذه دقة الأداء القرآني الذي جاء من قبل أن يجهد المفكرون أنفسهم في دراسة ظواهر وأحوال النفس البشرية في مجال علم النفس بالبحث والاستقراء والتجارب ، وأثر ذلك في وظائف الأعضاء . لقد قال العلم : إن لكل آلة وظيفة ، فالعين ترى ، والأذن تسمع ، واللسان يتذوق ويتكلم ، والأنف ، يشم ، واليد تلمس ، وقال العلماء في البداية : إن هذه هي الحواس الخمس الظاهرة ، وكلمة « الظاهرة » هذه إنما جاءت للاحتياط ؛ لأن هناك أمورا يشعر بها الإنسان ولكن لا يدرك كيفية ولا مصدر شعوره بها مثل الجوع أو العطش ، أو في أثناء المقارنة بين شيئين أيهما أكثر ثقلا . لقد حاول العلماء إدراك كيفية تمييز الإنسان بين ثقل وثقل آخر ، فقالوا : إن هناك حاسة اسمها حاسة العضل ، فعندما يحمل الإنسان شيئا ما فإنه يجهد العضلات لدرجة تمكنه من التمييز بين درجات الجهد . وعرفوا أيضا أن هناك حاسة اسمها حاسة البين ، وهي الحاسة التي يميز بها الإنسان درجة نعومة أو سمك أي نوع من القماش حتى ولو كان السمك يبلغ الواحد من العشرة من الملليمتر . إذن فهناك حواس كثيرة يمكن للإنسان الإدراك بها ، وهناك حواس تترك بعضا من الأثر في النفس البشرية كآثار الحب والميل أو البغض والنفرة ، ومقرها الوجدان . كإدراك حلاوة طعم شئ أو كراهة شئ آخر ، فإذا استطاب الإنسان شيئا أخذ منه مرة ثانية ، وهذا العمل هو نزوع يتبع الوجدان الذي يتبع الإدراك . إذن فهناك إدراك يدرك . وهناك وجدان يجد ، وهناك نزوع ينزع . مثال ذلك إدراك وردة جميلة المنظر واللون في بستان هذا الإدراك قد يصيب من القلب عشقا وحبا ؛ أي وجدانا ، وأنت حرفى أن تدرك ما شئت ، وأن تجد ما شئت ، لكن ليس لك أن تمد يدك لتقطف الوردة ؛ لأن الشرع يحرم ذلك . وحارس البستان أيضا يمنعك من ذلك . هذا على الرغم من أن أحدا لا يمنعك من أن تنظر إلى الوردة وتستمتع بجمالها . فالإدراك - إذن - مباح ، والوجدان أمر مباح .