وأقول : نعم ، يعذبهم اللّه على الرغم من أنه سبحانه لا يضيع عنده أجر من أحسن عملا ؛ وهو قادر على أن يجزيهم في الدنيا بما ينالونه من مجد وشهرة وثروة ؛ وهم قد عملوا من أجل ذلك .
وانطبق عليه قوله : « عملت ليقال وقد قيل » « 1 » وأخذوا أجورهم مما عملوا لهم ؛ ذلك أنهم عملوا ولم يكن في بالهم اللّه .
وهكذا يصور القرآن مسألة الجزاء ، فالواحد من هؤلاء الكفار إذا كان يلقى العذاب الغليظ على الكفر ؛ فالحق لا يغمطه « 2 » أجر ما فعل من خير ؛ فينال ذلك في الدنيا ويستمتع بإطلاق اسمه على اختراعه أو اكتشافه .
ونعلم جميعا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه » « 3 » أما في الآخرة فالعذاب جزاؤه ؛ لأنه عاش كافرا باللّه .
وهذه الأعمال التي صنعوها في الدنيا ، وظنّوا أنها أعمال إنسانية وأعمال برّ تأتى يوم القيامة وهي رماد تهبّ عليه الريح الشديدة في يوم عاصف لتذره بعيدا :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ
( 18 ) [ إبراهيم ]
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم في صحيحه ( 1905 ) ، وأحمد في مسنده ( 2 / 322 ) والنسائي في سننه ( 6 / 23 ، 24 ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه ، وقد شرحه فضيلة الشيخ الشعراوي في كتاب « الأحاديث القدسية » ( 1 / 135 - 151 ) بتحقيقى .
( 2 ) غمط الحق : جحده . والغمط : كفران النعمة وسترها . [ لسان العرب - مادة : غمط ] .
( 3 ) حديث متفق عليه . أخرجه البخاري في صحيحه ( 1 ) ، وكذا مسلم في صحيحه ( 1907 ) من حديث عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه ، وأوله : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » .