الأحكام كانت مقدّرة أزلا ؛ وعلى ذلك فلا يوجد نسخ لأىّ حكم ، ولكن هناك أحكام ينتهى وقتها الذي قدّره اللّه لها ؛ ويأتي حكم سبق تقديره أزلا ليواصل الناس الأخذ به ؛ وما دام الأمر كذلك فلا يوجد نسخ .
ولننظر إلى قول الحق سبحانه :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
« 1 »
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . .
( 106 ) [ البقرة ]
ويتضح من منطوق الآية ومفهومها أن عند نسخ حكم يأتي اللّه بمثله أو خير منه . إذن : ليس هناك نسخ وإنما هناك أحكام تؤدى مهمتها في زمن ثم يأتي زمن يحتاج إلى حكم خير منه أو مثله في الحكم ، ولكنه يوافق المصالح المرسلة مع مراد اللّه .
ولقائل أن يقول : ما دام سيأتي بخير من الآية المنسوخة أو المنسأة فذلك أفضل ، ولكن لماذا يأتي بالمثل ؟
وأقول : لأنك إن جاءك ما هو خير منها قد تستسيغه ، ولكن حين ننتقل إلى مثل ما جاءت به الآية ؛ فهذا محكّ الإيمان .
والمثل هو التوجّه في الصلاة إلى بيت المقدس في أول الدعوة ؛ ثم مجىء الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة ؛ فلا مشقّة في ذلك .
ولكن هنا يتم اختبار الالتزام الإيمانى بالتكليف ، وهنا الانصياع للحكم الذي ينزله اللّه ، وهو حكم مقدّر أزلا ؛ وفي هذا اختبار لليقين
هامش
( 1 ) نسأ الشئ ينسؤه : أخّره عن موعده . قال الجصاص في « أحكام القرآن » ( 1 / 71 ) :
« أما : (أَوْ نُنْسِها) قيل : إنه من النسيان . وننسأها من التأخير ، يقال : نسأت الشئ أخّرته بأن يؤخرها فلا ينزلها وينزل بدلا منها ما يقوم مقامها في المصلحة أو يكون أصلح للعباد منها » .