ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( من الآية 118 سورة التوبة )
وبعد أن يتوبوا فإن اللّه يقبل التوبة عن عباده .
إذن فالتوبة الأولى من اللّه تشريع . والتوبة الثانية من اللّه قبول ، والوسط بينهما هي توبة الإنسان .
ويذيل الحق الآية :
« تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً »
فسبحانه يشرع التشريع الذي يجعل النفوس تحيا في مناخ طبيعي وفي تكوينها الطبيعي ، فلو تصورنا أن إنسانا قد قتل خطأ وتركنا أهل المقتول بلا ترضية فلن يستفيد المجتمع الإيمانى من قتله .
إذن فالعلم من اللّه بالنفس البشرية جعل من قتل خطا يفيد المجتمع الإيمانى بتحرير رقبة ، فيزيد المجتمع إنسانا حرا يتحرك حركة إيمانية ؛ لذلك اشترط الحق أن تكون الرقبة مؤمنة ، حتى نضمن أن تكون الحركة في الخير ، فنحن لا نحرر رقبة كافرة ؛ لأن الرقبة الكافرة عندما تكون مملوكة لسيد فشرها محصور ، لكن لو أطلقناها لكان شرها عاما . وبعد تحرير الرقبة هناك الدية لننثرها على كل مفزع في منفعته فيمن قتل ، ولا نأخذها من أصول القاتل وفروعه ، فلا نجمع عليهم مصيبتين القتل الذي قام به أصلهم أو فرعهم ؛ لأن ذلك - لا شك - سيصيبهم بالفزع والخوف والاشفاق على من جنى منهم . وأن يشتركوا في تحمل الدية . وذلك العمل ناشىء عن حكمة . فإذا كان الذي يضع الأشياء في موضعها هو خالقها ، فلن يوجد أفضل من ذلك لتستقيم الأمور .
وفي المجال البشرى نجد أن أي آلة من الآلات - على سبيل المثال - مكونة من خمسين قطعة ، وكل قطعة ترتبط بالأخرى بمسامير أو غير ذلك ، وما دامت كل قطعة في مكانها فالآلة تسير سيرا حسنا ، أما إذا توقفت الآلة فإننا نستدعى المهندس ليضع كل قطعة في مكانها ، وكل شئ حين يكون في موضعه فالآلة تمشى باستقامة ، وكل حركة في الوجود مبنية على الحكمة لا ينشأ فيها فساد ؛ فالفساد إنما ينشأ من حركات