تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2546

مساهمون:

ص٢٥٤٦
ويقول الحق :
« وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ »
فإذا أعطى المسلمون قوما عهدا من العهود فلا بد من الوفاء . هذا الوفاء يقتضى تسليم دية لأهله ؛ لأن هذا احترام للعهد ، وإلا فما الفارق بيننا وبينهم . . . والدية - كما نعلم - تدفعها العاقلة ، ويقول الحق في بيان حق اللّه في أمر القتل خطأ :
« وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ »
أي فمن لم يجد الرقبة أو لم يتسع ماله لشرائها فصيام الشهرين بكل أيامهما ، فلا يفصل بينهما إلا فاصل معذر كأن يكون القاتل - دون قصد - على مرض أو على سفر . وبمجرد أن ينتهى المرض أو السفر فعليه استكمال الصوم . ولماذا هذا التتابع الحكمي ؟ . لأن اللّه سبحانه وتعالى يريد أن يجعل هذه المسألة شاغلة لذهن القاتل ، وما دامت تشغل ذهنه فالصيام لا بد أن يكون متتابعا ، فلو لم يكن الصيام متتابعا لأصابت القاتل غفلة .
« فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ » .
ولماذا قال الحق :
« تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ » ؟ .
والتوبة - كما نعرف - قد تكون من العبد فنقول : « تاب العبد » . وقد تسند التوبة إلى الحق فيقال : « تاب الله عليه » ومراحل التوبة ثلاث : حين يشرع اللّه التوبة نقول : تاب اللّه على العباد فشرع لهم التوبة فلا أحد يتوب إلا من باطن أن اللّه شرع التوبة ؛ لأنه لو لم يشرع اللّه التوبة لتراكمت على العباد الذنوب والخطايا . وتشريع التوبة هو تضييق شديد لنوازع الشر ، فلو لم يشرع اللّه التوبة لكان كل من ارتكب ذنبا يعيث في الأرض بالفساد . فحين شرع اللّه التوبة عصم المجتمع من الأشرار . فلأنه شرّع التوبة ، فهو - سبحانه - يتوب ، هذه هي المرحلة الأولى . وما دام اللّه قد شرع التوبة فالمذنب يتوب ، هذه هي المرحلة الثانية ، وساعة شرع اللّه التوبة ويتوب المذنب فاللّه يقبل التوبة ، هذه هي المرحلة الثالثة . وهكذا نرى دقة القرآن حين قال :
تفسير الشعراوي — صفحة 2546 | محمد متولي الشعراوي