والدية بحكم الشرع تأتى من العاقلة ، وبشرط ألا تؤخذ من الأصول والفروع ، فلا تجتمع عليهم مصيبة فقد إنسان على يد أحد من أصولهم أو فروعهم وهم بذلك يفزّعون فلا يجمع عليهم هذا الأمر مع المشاركة في الدية . كأن التشريع أراد أن يعالج الهزة التي صنعها انحراف بعلاج هو وقاية من رد الفعل فيحقق التوازن في المجتمع . فمن يقتل خطأ لا يقتص منه المجتمع ولكن هناك الدية . ومن أجل إشاعة المسؤولية فالقاتل لا يدفعها ، ولكن تدفعها العاقلة ؛ لأن العاقلة إذا ما علمت أن من يجنى من أهلها جناية وأنّها ستتحمل معه فإنها تعلّم أفرادها فن صيانة حقوق غيرهم ؛ لأن كل واحد منها سيدفع ، وبذلك يحدث التوازن في المجتمع .
والحق سبحانه وتعالى يعلمنا أن نستبعد أن يقتل مؤمن مؤمنا إلا عن خطأ ، فلا يستقيم أن يحدث ذلك عمدا فيقول :
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً »
ومعنى هذا أن مثل هذا القتل لا يصح أن يحدث عن قصد ؛ لأن اللّحمة - بضم اللام - الإيمانية تمنع هذا . لكن إن حدث هذا فما العلاج ؟ .
« وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ » .
ولا يذكر سبحانه هنا القصاص ، فالقصاص قد تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى
( من الآية 178 سورة البقرة )
والقصاص حق الولي فله أن يعفو أو أن يأخذ الدية ، كأن يقول : عفوت عن القصاص إلى الدّية . ويجب أن نفرق بين الحد وبين القصاص . فالقصاص حق الولي ، والحد حق اللّه . وللولي أن يتنازل في القصاص ، أما الحدود فلا يقدر أحد أن يتنازل عنها ، لأنها ليست حقا لأحد ولكنها حق للّه .
إذن فالقتل الخطأ قال فيه :
« فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ »
وهنا قد نسأل : وماذا يستفيد أهل المجنى عليه بالقتل من تحرير رقبة مؤمنة ؟ . هل يعود ذلك على أهل القتيل ببسط في النفعية ؟ . قد لا تفيدهم في شئ ، لكنها تفيد المجتمع ؛ لأن مملوك الرقبة وهو العبد أو الأمة هو مملوك لسيده ، والسيد يملك حركة العبد ، ولكن عندما يكون