تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2476

مساهمون:

ص٢٤٧٦
قد يقول من لا يملك ملكة اللغة : فأيهما بليغة ؟ إن كانت الأولى فالثانية ليست بليغة ، وإن كانت الثانية فالأولى ليست بليغة . نقول له : أنت أخذت عجز كل آية فقط . وعليك أن تأخذ عجز كل آية مع صدرها . صحيح أن عجز الآية مختلف ؛ لأنه يقول في الأولى :
« نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ »
وفي الثانية يقول :
« نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ » .
ولكن هل صدر الآية متحد ؟ لا ، فصدر كل آية مختلف ؛ لأنه قال :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ » .
فكأن الإملاق موجود . . حاصل ؛ لذلك شغل المخاطب برزقه قبل أن يشغل برزق ولده . . ويخاف أن يأتي له الولد فلا يجد ما يطعمه . لأنه هو نفسه فقير . فيطمئنه اللّه على رزقه أولا ثم بعد ذلك يطمئنه على رزق من سيأتي :
« نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ » . .
لكن في الآية الثانية لم يقل ذلك . . بل قال :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ »
كأنه يخاف أن يفقد ماله ويصير فقيرا عندما يأتي الولد ، وما دام قد قال :
« خَشْيَةَ إِمْلاقٍ »
فهذا يعنى أن الإملاق غير موجود ، ولكنه يخاف الإملاق إن جاء الولد ، يخاف أن يأتيه الولد فيأتيه الفقر معه ، فأوضح الحق له : لا تخف فسيأتي الولد برزقه . .
« نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ »
إذن إن نظرت إلى الآية عجزها مع صدرها . . تجد العلاقة مكتملة ، ويحاول بعضهم أن يجد منفذا للطعن في بلاغة القرآن فيتساءل لماذا يقول الحق في آية في القرآن :
وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( من الآية 17 سورة لقمان ) وفي سورة ثانية يقول :
وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
( 43 ) ( سورة الشورى ) ونقول لهم : أنتم لم تفهموا الآيات على حقيقتها . ففي الآية الأولى يقول :
« وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »
أي في المصائب التي لا غريم لك فيها . وما دام ليس لك غريم فيها . . فماذا تفعل ؟ لكن إذا كان لك غريم وخصم فقد تتحرك نفسك بأن تنتقم منه . ولذلك فانتبه لقوله الحق :
« وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ »
يناسب الموقف الذي لا يوجد فيه غريم ، وفي