تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2442

مساهمون:

ص٢٤٤٢
وهذا يلفتنا إلى أن الحق سبحانه وتعالى لا يريد أن نلف قضايا الخصوم لفا بحيث لا نعرفها ، ولكنه يعرض قضية الخصوم عرضا ثم يكر عليها بالنقد ليربى - كما قلنا - المناعة الإيمانية ، حتى لا تفاجئ قضية كفرية عقيدة إيمانية ؛ فسبحانه يعرض قضايا الكفار ويوضح لنا : سيقولون كذا فقولوا لهم كذا . . مثال ذلك : عندما قالوا : إن اللّه اتخذ ولدا قال الحق :
كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً
( من الآية 5 سورة الكهف ) فهو سبحانه يعرض قضايا الخصوم ؛ لأن الذي يحاول أن يلف قضية الخصوم يكون مشفقا منها ، لكن من يعرضها ينبه عقل السامع إليها ليبطلها ويقول : « ها هي ذي نقاط الضعف في هذه القضية » . وحينما قالوا :
« وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ »
أرادوا بهذا القول أن يصنعوا مضارة بين اللّه ورسوله ، فأوضح الحق سبحانه ؛ قل لهم يا محمد :
« كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » ،
وتتجلى دقة الحق سبحانه في أنه جعل محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم وكيلا في البلاغ عنه ، وكان من الممكن أن يسوق الحق القضية بدون « قل » . لكنه سبحانه أراد في هذه أن يوسط رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم في أنه يقول :
« قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ » .
و « كل » تعنى : كلّا من الحسنة ومن السيئة . ويريد الحق سبحانه وتعالى أن يبين لنا أن قضايا الوجود تتسق مع فطرة الإيمان . ولقد وقع خلاف طويل بين العلماء في أفعال العباد ، وتساءلوا : هل يفعل العبد أي فعل بنفسه ، أو أن اللّه هو الذي يجرى على عباده الأفعال ؟ . فإذا كان العبد هو الذي يفعل الفعل فمن العدالة أن يتلقى الثواب أو العذاب جزاء ما قدم . وإذا كان اللّه هو الذي يجرى كل الأفعال فلماذا يعذبه اللّه ؟ . ودخل العلماء في متاهة كبيرة . وهنا نقول : يجب أن تفهم أن الحق حينما خلق الكون جعل فيه سننا ، ومن