ما حكاية هذا القول ؟ إنهم إن ذهبوا إلى حرب فغنموا قالوا : « إن اللّه أسعدنا بالغنائم » . وإن هزموا قالوا : إن محمدا هو الذي أوقع بنا الهزيمة ، وكأن لمحمد تصرفا دون تصرف اللّه . فإياك أن تخدع بمن يحاول أن يعزل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم عن ربه .
إن محمدا قد بعثه اللّه وأنزل عليه القرآن .
وكان رسول اللّه حين نزلت الدعوة يأمل أن يستجيب له القوم الذين يؤمنون باللّه وهم أهل الكتاب . وكانوا أقرب إلى قلبه من القوم الذين لا يؤمنون باللّه وهم المشركون ، وكان هناك معسكران : معسكر الفرس ، ومعسكر الروم ، وكان معسكر الفرس يعبد النار - معاذ اللّه - أما معسكر الروم فهو يؤمن باللّه وبالكتب السابقة على رسول اللّه ولكنه كافر بمحمد .
والذي يؤمن باللّه كان قريبا إلى قلب محمد ممن كفر باللّه ، وهذا دليل على أن عصبية محمد قد أتت له من اللّه . وقد ينصرف المعنى إلى اليهود . فحينما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة كان من المصادفة أن تقل ثمارهم ومزارعهم ؛ فقالوا : مزارعنا وثمارنا في نقص منذ قدم هذا الرجل . وهل كان ذلك الأمر مصادفة أو أننا نجد له تعليلا ماديا ؟
فحينما جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة أنكروه بعد أن كانوا يستفتحون به على الذين كفروا ، وسلب مجيئه منهم السلطة الزمنية التي كانت لهم ؛ لأنهم كانوا أهل مال ، ويتعاملون بالربا ويثيرون العصبية ، ويتاجرون من أجل أن تظل لهم السيادة ، وهم أهل علم بالكتاب وحاولوا التجارة بكلمات اللّه . فكانت لهم السيادة من ثلاث جهات : علميا وماليا ومنهجيا .
وعندما جاء الإسلام ألف بين الأوس والخزرج فبارت أسلحتهم وضاعت منهم السلطة التي صنعوها بالتفرقة ، وضاعت منهم سيادة المال ؛ لأن الإسلام حرم الربا ، وضاعت منهم سيادة المنهج لأن الإسلام كشف تحريفهم للكتاب وأنزل اللّه كتابا - وهو القرآن - غير قابل للتحريف .
تفسير الشعراوي — صفحة 2439
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٤٣٩