تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2404

مساهمون:

ص٢٤٠٤
والحق قد وصف الحياة بأنها « الدنيا » ولا يوجد وصف أدنى من هذا ، فأوضح المسألة : إنك ستعطى الدنيا وتأخذ الآخرة ، فإذا كان الذي تأخذه فوق الذي تعطيه فالصفقة - إذن - رابحة ، فالدنيا مهما طالت فإلى نهاية ، ولا تقل كم عمر الدنيا ، لأنه لا يعنيك أن يكون عمر الدنيا ألف قرن ، وإنما عمر الدنيا بالنسبة لكل فرد : هو مقدار حياته فيها ، وإلا فإن دامت لغيرى فما نفعي أنا ؟ . . إذن فقيمة الدنيا هي : مقدار عمرك فيها ، ومقدار عمرك فيها مظنون ، وعلى الرغم من ارتفاع متوسطات الأعمار في القرن العشرين ، فالبعض يقول : متوسط الأعمار في أمريكا سبعون أو خمس وستون سنة ، لكن ذلك لا يمنع الموت من أن يأخذ طفلا ، أو فتى ، أو رجلا ، أو شيخا . إن عمر الدنيا بالنسبة لكل إنسان هو : مقدار حياته فيها ، فلا تقارنها بوجودها مع الآخرين ، إنما قارنها بوجودها معك أنت ، وهب أنه متيقن ولكنه محدود بسبعين عاما على سبيل المثال ، ستجد أن تنعمك خلالها مهما كبر وعظم فهو محدود . والإنسان منا يظل يربّى إلى أن يبلغ الحلم . فإذا ما بلغ الحلم وأصبحت له حياة ذاتية ، أي أن إرادته لم تعد تابعة للأب أو للأم ، بينما في طفولته كان كل اعتماده على أسرته ، أبوه يأتي له بالملبس فيلبسه ؛ وبالمطعم فيأكله ، ويوجهه فيتوجه ، لكن حينما توجد له ذاتية خاصة يقول لأبيه : هذا اللون لا يعجبني ! والأكل هذا لا يعجبني ! ! هذه الكلية لن أذهب إليها . ولا توجد للإنسان ذاتية إلا إذا وصل إلى مرحلة من العمر يستطيع أن ينسل مثله ، فإذا ما أصبح كذلك نقول له : هذا هو النضج ، وهو الذي يجعل لك قيمة ذاتية . إنك إذا زرعت شجيرة بطيخ . فأنت ترعاها سقيا وتنظيما وتسميدا ، وهي ما زالت صغيرة وتتعهدها كي لا تخرج مشوهة ، حتى تنضج ، وساعة تنضج يكون الشغل الشاغل قد انتقل من الشجيرة إلى الثمرة « البطيخة » ، فيقال صار لها ذاتية ؛ لأنك إن شققتها لتأكلها تجد « اللب » قد نضج ، وإن زرعته تأتى منه شجيرة أخرى .
تفسير الشعراوي — صفحة 2404 | محمد متولي الشعراوي