« مِنْ لَدُنَّا »
اعرف أنها ليست من شأن ولا فعل الخلق . بل من تفضل الخالق .
فالحق سبحانه وتعالى يرسل لنا منهجه بوساطة الرسل ، لكنه يوضح أن بعضا من الناس منحهم عطفا وأعطاهم من لدنه علما ، فهو القائل :
فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
( 65 )
( سورة الكهف )
أي أن العلم الذي أعطاه اللّه لذلك العبد لم يعلمه موسى ، وعطاء اللّه للعلم خاضع لمشيئته ، ونعرف من قبل أن الحسنات والأعمال لها نظام ، فمن يعمل خيرا يأخذ مقابله كذا حسنة ، ولكن هناك أعمال حسناتها من غير حساب ويجازى عليها الحق بفضله هو . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - نحن نجد ذلك متمثلا لنا في كثير من تصرفاتنا ، تقول لابنك مثلا : يا بنى كم أجرك عندي من هذا العمل ؟
فيقول لك : مائة جنيه . فتقول له : هذه مائة هي أجرك ، وفوقها خمسون من عندي أنا ، ماذا تعنى « من عندي أنا » هذه ؟ إنها تعنى أنه مبلغ ليس له دخل بأجر العمل .
« وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ »
لقد عرفنا من قبل أن هناك فرقا بين القتل والموت ، صحيح أن كليهما فيه إذهاب للحياة ، لكن الموت : إذهاب للحياة بدون نقض البنية للجسم ، ولكن القتل : إذهاب للحياة بنقض البنية كأن يكسر إنسان رأس إنسان آخر ، أو يطلق رصاصة توقف قلبه ، وهذا هدم للبنية ، والروح لا تحل إلا في بنية لها مواصفات ، والروح لم تذهب أولا . بل إن البنية هدمت أولا .
فلم تعد صالحة لسكنى الروح ، والمثل المعروف هو مصباح الكهرباء : إنك إن رميت عليه حجرا صغيرا ، ينكسر وينطفئ النور برغم أن الكهرباء موجودة لكنها لا تعطى نورا إلا في وعاء له مواصفات خاصة ، فإذا ذهبت هذه المواصفات الخاصة يذهب النور ، فتأتي بمصباح جديد له المواصفات الخاصة الصالحة فتجد النور قد جاء .
وكذلك الروح لا تسكن إلا في جسم له مواصفات خاصة ، فإن جئت لهذه المواصفات الخاصة وسيدها المخ ، وضربته ضربة قاسية ، فقد نقضت البنية ، وفي هذه الحالة تغادر الروح الجسد لأنه غير صالح لها ، لكن الموت يأتي من غير نقض