تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2382

مساهمون:

ص٢٣٨٢
حاطب بن أبي بلتعة ، فقال : لأن كان ابن عمتك ، والعربي يقول الكلمة ويترك لنباهة السامع أن يستنبط الباقي ، وكأنه يعنى : حكمت له لأنه ابن عمتك . ولوى شدقيه ، فتغير وجه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحظة علمه أن ابن أبي بلتعة لم يقدر عدالة الحق والحكم . . وكان كثير من الناس ممن كانوا يتصيدون للإسلام يقولون : هو قد حكم أولا أن يروى الزبير ثم يطلق الماء لحاطب ، فلما غضب حاطب بن أبي بلتعة قال له : اسق يا زبير واستوف حقك ، وخذ من الماء ما يكفيك ثم أرسله لجارك ، فقالوا : لماذا حكم أولا بأن يسقى ثم يرسل الماء إلى جاره ثم عدل في الحكم ؟ الناس لم تفهم أن أرض الزبير عالية بينما أرض حاطب منخفضة ، وأنتم إذا نظرتم إلى أي واد ؛ تجدون الخضرة والخصب في بطن الوادي وليس في السفح ؛ لأن الماء وإن جاء من الأرض العالية سينزل إلى الأرض المنخفضة ، وإذا رويت المنخفض أولا وأعطيته لا يصيب العالي شئ . إذن فالحكم الأول كان مبنيا على التيسير والفضل من الزبير ، والحكم الثاني جاء مبنيّا على العدل ، ورسول اللّه بالحكم الثاني - وهو أن يستوفى الزبير حقه ويأخذ من الماء ما يكفيه - كأنه قال له : سنعدل معك بعد ما كنا نجاملك ، فقال الحق سبحانه وتعالى :
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً » .
وإذا كان هذا هو الأمر فكيف لو فعلنا بهم مثلما فعل الرسول من الأمم السابقة ؟ عندما أمروهم أن يقتلوا أنفسهم أو أن يخرجوا من ديارهم ، هذا الحكم لم ينفذه إلا عدد قليل منهم وهم الثابتون في الإيمان . وهكذا نعلم أن الحق لم يخل الأمة من ممتثلين ملتزمين يؤدون أمر اللّه كما يجب .
« وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ »
ولو فرضنا أن اللّه قال : اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ثم بعد ذلك فعلوه لوجدوا في ذلك الخير عما كان في بالهم ؛ لأن الناس يجب أن تفطن إلى أن تسأل نفسها ما غاية المؤمن حين يؤمن بإله ؟ وما غاية هذا الإيمان ؟
تفسير الشعراوي — صفحة 2382 | محمد متولي الشعراوي