تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2376

مساهمون:

ص٢٣٧٦
إذن فقوله :
« فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ »
وحكّم كل مادتها مثل « الحكم » و « التحكيم » و « الحكمة » و « التحكم » وكل هذا مأخوذ من الحكمة وهي حديدة اللجام الذي يوضع في فم الفرس يمنعه به صاحبه أن بشرد ، ويتحكم فيه يمينا ويسارا ، فكذلك « الحكمة » تعوق كل واحد عن شروده في أخذ حق غيره ، فالتحكيم والحكم ، والحكمة ، كلها توحى بأن تضع الشئ في موضعه الصحيح . وكلمة « شجر » مأخوذة من مادة ( الشين والجيم والراء ) وإذا رأيتها فافهم أنها مأخوذة من الشجر الذي تعرفه . وهناك نباتات لا تلتصق ببعضها ، وهناك نباتات تكبر فيلتصق بعضها ببعض فتتشابك ، كما نرى مثلا شجرا متشابكا في بعضه ، وتداخلت الأفرع مع بعضها بحيث لا تستطيع أيها الناظر أن تقول : إن هذه ورقة هذه الشجرة أو ورقة تلك الشجرة . وإذا ما أثمرتا وكانتا من نوع واحد لا تقدر أن تقول : إن هذه الثمرة من هذه الشجرة ، ولا هذه الثمرة من تلك الشجرة ، أي أن الأمر قد اختلط . « وشجر بينهم » أي قام نزاع واختلاط في أمر ، فأنت تذهب لتفصل هذه الشجرة عن تلك ، وهذه الثمرة عن تلك الثمرة ، وساعة ترى أشجارا من نوع واحد ، وتداخلت مع بعضها واختلطت ، لا يعنيك إن كنت جانى الثمرة أن تكون هذه الثمرة التي قطفتها من هناك ، فأنت تأخذ الثمرة حيث وجدت ، لا يعنيك أن تكون من هذه أو من تلك ، وإن كنت تستظل تحت شجر لا يعنيك أن تعرف هل جاء هذا الظل من ورق هذه الشجرة أو من تلك الشجرة ، فهذه فائدة اختلاط المتساوى ، لكن إذا أردت ورقة شجرة من نوع معين فأنتقيها لأننى أريدها لأمر خاص . والخلق كلهم متساوون فكان يجب إن اختلطوا أن تكون المسألة مشاعا بينهم ، لكن طبيعة النفس الشحّ ، فتنازعوا ، ولذلك فالقاضي الذكي يقول للمتخاصمين : أتريدان أن أحكم بينكما بالعدل أم بما هو خير من العدل ؟ . فيفزعان ويقولان : أهناك خير من العدل ؟ . يقول : نعم إنه الفضل ، فما دامت المسألة أخوة واحدة ، والخير عندك كالخير عندي فلا نزاع ، أمّا إذا حدث الشجار فلا بد من الفصل .