وعندما نسمع قول الحق :
« تَعالَوْا » ،
فهذا يعنى نداء بمعنى : اقبلوا ، ولكن كلمة « أقبلوا » تعنى الإقبال على المساوى لك ، أما كلمة « تعالوا » فهي تعنى الإقبال على الأعلى . فكأن لقضايا البشر تشريعا هابطا ؛ لأنه من صناعة العقل البشرى ، وصناعة العقل البشرى في قوانين صيانة المجتمعات - على فرض أننا أثبتنا حسن نياتهم وإخلاصهم - تكون على قدر مستوياتهم في الاستنباط واستقراء الأحداث .
لكن التشريع حينما يأتي من اللّه يكون عاليا ؛ لأنه - سبحانه - لا تغيب عنه جزئية مهما صغرت ، لكن التقنين البشرى يوضع لحالة راهنة وتأتى أحداث بعدها تستوجب تعديله ، وتعديل القانون معناه أن الأحداث قد أثبتت قصور القانون وأنه قانون غير مستوعب للجديد ، وهذا ناشىء من أن أحداثا جدّت لم تكن في بال من قنّن لصيانة المجتمع ، وكان ذهن مشرع القانون الوضعي قاصرا عنها ، كما أن تعديل أي قانون لا يحدث إلا بعد أن يرى المشرع الآثار الضارة في المجتمع ، تلك الآثار التي نشأت من قانونه الأول ، وضغطت أحداث الحياة ضغطا كبيرا ليعدّلوا في الأحكام والقوانين .
أما تشريع اللّه فهو يحمى المجتمع من أن تقع هذه الأحداث من البداية ، هذا هو الفارق بين تشريع وضعي بشرى جاء لينقذنا من الأحداث ، وتشريع رباني إلهي يقينا من تلك الأحداث . فالتشريع البشرى كمثل الطب العلاجى . أما التشريع السماوي فهو كالطب الوقائي ، والوقاية خير من العلاج .
لذلك جاء الحق سبحانه وتعالى بالتشريعات التي تقينا وتحمينا من شرّ الأحداث ، أي أنه يمنع عن الإنسان الضرر قبل أن يوجد ؛ وبذلك تتحقق رحمته سبحانه لطائفة من البشر عن أن تعضّهم الأحداث ، بينما نجد للقانون الوضعي ضحايا ، فيرق قلب المشرعين بعد رؤية هؤلاء الضحايا ليضعوا التعديل لأحكام وضعوها من قبل ،