تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2348

مساهمون:

ص٢٣٤٨
الأمانة . فيجوز أن يعقد الكائن العزم عند تحمل الأمانة أن يؤديها ، ولكن عند أدائها لا يملك نفسه ، فربما خانته نفسه وجعلته لا يقر بها . لقد احتاطت السماوات والأرض والجبال وقالوا : لا نريد هذه الأمانة ولا نريد أن نكون مختارين بين أن نفعل أو نترك ، نطيع أو نعصى ، وإنما يا رب نريد أن نكون مسخرين لما تحب دون اختيار لنا . فسلمت الأرض والسماوات والجبال ، لكن الإنسان بما فيه من فكر يرجح الاختيار بين البديلات قال : أنا أقبلها وإن فكرى سيخطط لأدائها . ولم يلتفت الإنسان ساعة تحمله الأمانة إلى حالة أدائه لها . ومثال ذلك : من الجائز أن يعرض عليك إنسان مبلغا من المال كأمانة عندك ، فأخذته وأنت واثق أنك ستؤديه حين يطلبه منك ، ولكنك ساعة الأداء قد لا تملك نفسك ، فقد تمر بك ظروف فتصرف شيئا من المال ، أو أن تكون - والعياذ باللّه - قد خربت ذمتك . إذن فالإنسان لا يملك نفسه وقت الأداء وإن ملك نفسه وقت الأخذ ، فالذين يحتاطون يقولون : أبعد عنا تحمل الأمانة ، فلا نريد أن نحمل لك شيئا ولكن الإنسان قبل تحمل الأمانة ؛ لأنه
« كانَ ظَلُوماً جَهُولًا »
ظلم نفسه وجهل بحالته وقت الأداء ، إذن فالأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان هي أمانة الاختيار التي يترتب عليها التكليف من اللّه . إن التكليف محصور في « افعل » و « لا تفعل » ، فإن شئت فعلت في « افعل » ، وإن شئت لم تفعل في « لا تفعل » . وإن شئت العكس ، ومعنى ذلك أن الأمانة في هذا المعنى مقصورة على ما طلبه اللّه من الإنسان وقت العرض . لكنها لم تتعرض للأمانات التي توجد بيننا ، والأمانة كذلك هي ما يتعلق بذمتك بحق غيرك ؛ لذلك فحين يعطى إنسان إنسانا شيئا يصير الآخذ مؤتمنا فإن شاء أدى وإن شاء لم يؤد . لكن هناك أمانات أخرى لم يعطها إنسان لإنسان ، وإنما أعطاها رب الإنسان لكل إنسان ، فالعلم الذي أعطاه اللّه للناس أمانة . فهل الذي علمك علما وأعطاه لك وبعد ذلك قال لك : أدّه لي ، كمثل من يكون مأمونا على مال ؟