تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2349

مساهمون:

ص٢٣٤٩
نقول للعالم : العلم ليس من عندك حتى تعطيه لغيرك وبعد ذلك يرده لك ولكن اللّه يجازيك عليه ثوابا وكذلك في الحلم والشجاعة ، ولا تتضح هذه المسائل بين العبد والعبد إلا في المال ، لكن في بقية الأشياء ؛ نقول لك : أنت أمين عليها أمام خالقك ، وقد أمنك ربنا على هذه الأشياء كي تؤديها إلى من لا يعلم ، فأمنك على قدرة وأمرك : أعطها لمن لا يقدر ، وأمنك على علم وأوضح لك : أعطه لمن لا علم له . . إذن فمن الذي أعطاك هذه الأمانة ؟ اللّه . فليس ضروريا أن تكون الأمانة من صاحبها الذي أعطاها لك لتردها إليه ، فالأمانة : ما تصير مأمونا عليه ممن خلق أو من مخلوق ، فأدها ، والأمانة بهذا المعنى أمرها واسع ، فاستحفاق اللّه للتوحيد أمانة عندك ، أهليتك للتكليف من اللّه حين كلفك أمانة عندك ، وأهليتك في المواهب المختلفة أمانة عندك ، فكل إنسان عنده موهبة هو أمين عليها ولا بد أن يؤديها وينقل آثارها لمن لا توجد عنده هذه الموهبة . فربنا أعطى هذا الإنسان قوة عضل ، وأعطى ذلك قوة فكر ، وأعطى ثالثا قوة حلم ، وأعطى رابعا علما . كل هذه الأشياء أمانات أودعها اللّه في خلقه ليتكامل الخلق ، فحين يؤدى كل إنسان أمانته لكل إنسان يصبح كل إنسان عنده مواهب كل الآخرين . والحق سبحانه وتعالى حينما يقول :
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها »
نتذكر على الفور قمة الأمانة أن تعبده ولا تشرك به أحدا ، والأمانة في التكاليف التي كلفك اللّه بها ؛ لأنها أمانة لغيرك عندك ، وأمانة عندك لغيرك . فحين يكلفك اللّه بألا تسرق ، يكون قد كلف الناس كلهم ألا يسرقوك . إن كل أمانة عند غيرك تقابلها أمانة عندك ، فإن أديت مطلوبات الأمانة عندك أدى المجتمع الذي يحيط بك الأمانة التي عنده ، وهكذا تكون الأمانة هي : أداء حق في ذمتك لغيرك . وقوله تعالى :
« إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها »
قيل نزلت في عثمان ابن طلحة ابن أبي طلحة وكان سادن - خادم - الكعبة وحين دخل رسول اللّه صلّى اللّه