تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2351

مساهمون:

ص٢٣٥١
إن قوله تعالى :
« وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ »
ليست خاصة للحاكم فقط ، بل إنّ كل إنسان مطالب بالعدل ، فلو كنت محكّما من طرف قوم ورضوا بك أن تحكم فاحكم بالعدل حتى ولو كان الحكم في الأمور التي يتعلق بها التكريم والشرف والموهبة ؛ فليس ضروريا أن يكون الحكم بالعدل في أمر له قيمة مادية ، مثلا : سيدنا الإمام على - رضوان اللّه عليه وكرم اللّه وجهه - يرى غلامين يتحاكمان إلى ابنه الحسن ؛ ليحكم بينهما أي الخطين أجمل من الآخر ، وهذه مسألة قد ينظر لها الناس على أنها مسألة تافهة لكنها ما دامت شغلت الطفلين وأراد كل واحد منهما أن يكون خطه أجمل ، فلا بد أن يكون الحكم بالعدل . فقال الإمام على لابنه الحسن : يا بنى انظر كيف تقضى ، فإن هذا حكم واللّه سائلك عنه يوم القيامة . إن هذا يعطينا صورة في دقة العدل حتى ولو كان الأمر صغيرا . وفي مباريات كرة القدم تجد الحكم الذي يقول هذه اللعبة تحتسب هدفا أو لا تحتسب ، هذا الحكم يحتاج إلى مهارة لأنه سيترتب عليها فوز فريق أو هزيمته ، بدليل أنك حتى وأنت تراقب الكرة ثم وجدت الحكم لم يحتسب خطأ تثور عليه . وهنا أتساءل : لماذا طبقتم قانون الجد في اللعب ، ثم تركتم الجد بدون قانون ؟ وهذا ما يحدث . نحن ننقل قوانين الجد إلى اللعب ، ونترك الجد في بعض الأحيان بدون قانون ، ولو اعتنينا بهذه كما اعتنينا بتلك . لتساوت الأمور ، فالعدل إذن هو حق في ذمة غير لغير حتى ولو كانت مباراة في اللعب ، وما دام الأمر قد شغل طرفين ، وجعل بينهما نزاعا وخلافا وتسابقا فعليك أن تنهى هذا الخلاف بالعدل . ويتابع الحق :
« إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ »
و « نعما » يعنى نعم ما يعظكم به اللّه ، أي لا يوجد أفضل من هذه العظة التي هي : أداء الأمانة والحكم بالعدل ، فبهذا تستقيم حركة الحياة . فإذا أدى الناس الأمانة فلا نزاع ولا خلاف ، وإذا أدوا عدالة الحكم فإن كان هناك خلاف ينتهى . وقال العلماء : إذا علم المجتمع أن عدلا يحرس حقوق الناس عند الناس فلن يجرّىء ذلك ظالما على أن يظلم بعد ذلك ، فيقول الظالم : فلان ظلم ولم يحاكم ، فيغرى ذلك الظالم أن يزيد في ظلمه ، لكن ساعة
تفسير الشعراوي — صفحة 2351 | محمد متولي الشعراوي