تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الشعراوي — صفحة 2313

مساهمون:

ص٢٣١٣
المخلوق بالخالق قويت أسبابه ، ويستقبل الأحداث بثبات ، ويأتيه فرج ربنا ، وعندما نقرأ القرآن يجب أن نلتفت إلى اللقطات العقدية فيه ، فقد عرفنا مثلا : أن سيدنا موسى عندما أراد أن يأخذ بني إسرائيل من فرعون ويخرج بهم ، وقبل أن يصل بهم إلى البحر تنبه لهم قوم فرعون وجاءوا بجيوشهم ، وكان قوم فرعون من ورائهم والبحر من أمامهم ، فقال قوم موسى إيمانا بالأسباب :
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ
( من الآية 61 سورة الشعراء ) باللّه أأحد يكذّب هذه المقولة ؟ ! لا ، فماذا قال موسى عليه السّلام ؟ لم يقل مثلما قال قومه ، ولكنه نظر للمسبب الأعلى فقال بملء فيه :
كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
( من الآية 62 سورة الشعراء ) وهل تكذّب مقولته ؟ لا . لا تكذب ؛ لأنه لم يقل : « كلّا » اعتمادا على أسبابه . فليس من محيط أسبابه أن يخرج من مثل هذا الموقف ، بل قال :
« إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ » ،
هذه ثمرة الإيمان ، فلما قال :
« إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ » ،
ما ذا قال له اللّه ؟ قال له :
اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
( من الآية 63 سورة الشعراء ) لم يقل له : اهجم عليهم وأغلبهم ، لا . بل قال :
« اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ » ؛
كي يعطى الشئ ونقيضه ، ولتعرف أن مرادات الحق سبحانه وتعالى تعطى الشئ ونقيضه ، ولا أحد من البشر يقدر أن يصنع مثل ذلك ، فلما قال له : اضرب بعصاك البحر ، ضرب موسى البحر بالعصا ، وكان موسى يعلم قانون الماء استطراقا وسيولة ، لكن ها هي ذي المعجزة تتحقق :
فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
( من الآية 63 سورة الشعراء )