وهو الذي كلما أطعته في ظلم ارتقى إلى ظلم أكثر . . وسواء أكان الجبت والطاغوت صنمين أم إلهين من الآلهة التي يتبعونها ، المهم أن وفد اليهود خضعوا لهم وسجدوا ، لكي تصدق قريش عداء اليهود لسيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .
وبعد ذلك سأل كعب بن الأشرف أبا سفيان : ما ذا فعل محمد معكم ؟ قال له :
فارق دين آبائه ، وقطع رحمه وتركهم وفر إلى المدينة ، ونحن على غير ذلك . نحن نسقى الحجيج ، ونقرى الضيف ، ونفك العاني - الأسير - ونصل الرحم ، ونعمر البيت ونطوف به . وعظّم أبو سفيان في أفعال قريش ! ، فقال الذين أوتوا الكتاب - لعداوتهم لمحمد - قالوا لأبى سفيان وقومه : أنتم أهدى من محمد سبيلا ! ويوضح ربنا : يا محمد انظر لعجائبهم ؛ إنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ومع ذلك فعداوتهم لك ووقوفهم أمام دينك وأمام النور الذي جئت به ، جعلهم ينسون نصيبهم من الكتاب ، ويؤمنون بالجبت والطاغوت ؛ وهم القوم أنفسهم الذين كانوا يقولون للعرب قديما : إنه سيأتي نبي منكم نتبعه ونقتلكم به قتل عاد وإرم . لكن ها هم أولاء يذهبون ويؤمنون بالطاغوت والجبت ، فهل عند مثل هؤلاء شئ من الدين ؟
إن الحق سبحانه يريد أن يطمئن رسول اللّه بأن هؤلاء انعزلوا عن مدد السماء ، فإن نشب بينك وبينهم حرب أو خلاف فاعلم أن اللّه قد تخلى عنهم لأنهم تركوا النصيب من الكتاب الذي أوتوه . وإياك أن يأتي في بالك أن هؤلاء أصحاب كتاب .
إن الحق يطمئن رسوله أنه سبحانه قد تخلى عنهم وأن اللّه ناصرك - يا محمد - فلا يغرنك أنهم أصحاب مال أو أصحاب علم أو أصحاب ثروات ، فكل هذا إلى زوال ؛ لأن حظهم من السماء قد انقطع ؛ ولأن الشرك قد حازهم وملكهم وضمهم إليه وقد جعلوا العداوة لك والانضمام إلى الكفار الذين كانوا يستفتحون عليهم ، ببعثك ورسالتك ، ثمنا لأن يتركوا الإيمان .
ويقول الحق بعد ذلك :
تفسير الشعراوي — صفحة 2315
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص٢٣١٥