ومعنى ذلك أنهما شهدا سمته وسلوكه ، وعرفا أنه إنسان مسالم ، فلما حزبهما واشتد عليهما أمر يتعلق بذاتهما قالا : لا يوجد أحسن من هذا الإنسان نسأله ، وقلت ولا أزال أكررها : إن القيم هي القيم ، والصادق محترم حتّى عند الكذاب ، والذي لا يشرب الخمر محترم عند من يشرب بدليل أنهما عندما حزبهما أمر قالا :
« إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » .
وهل يحكم واحد على آخر أنه محسن إلا إذا كان عنده مقياس يعرف به الحسن ويميزه عن القبح ؟ وعندما قالا ذلك الأمر لسيدنا يوسف ، كان من الممكن أن يجيبهما إلى تأويل رؤياهما ، ولكن هذه ليست مهمته ، بل فكر : لماذا لا يستغل هو حاجتهما إليه لأمر يتعلق بشخصيهما ، وبعد ذلك ينفذ إلى مراده هو منهما قبل أن ينفذا إلى مرادهما منه ، فهو نبي ومن سلالة أنبياء فأوضح لهما : وماذا رأيتما من إحسانى ؟ إن عندي أشياء كثيرة :
قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
( من الآية 37 سورة يوسف )
فقد زكى نفسه ، لكن انظروا لماذا زكى نفسه ؟ هو يريد أن يأخذ بيدهما إلى ربه هو ، بدليل أنه قال :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
( من الآية 37 سورة يوسف )
إذن فالتزكية هنا مطلوبة ، وقد ردّها للّه ، وأعلن أن تلك ليست خصوصية لي ، بل كل واحد من خلق اللّه يستطيع أن يكون مثلي :
إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
( من الآية 37 سورة يوسف )
وبعد ذلك قال :
وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ
( من الآية 38 سورة يوسف )