وتقدم أن أشرنا إلى قول الحق :
« أَ لَمْ تَرَ » ،
فإن كانت الصورة التي يخاطب عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرئية أمامه تكن الرؤية على حقيقتها ، وإن لم تكن مرئية أمامه وكان مراد الحق سبحانه أن يعلمه بها وهي غير معاصرة لرؤياه فالحق يقول :
« أَ لَمْ تَرَ »
يعنى : ألم تعلم ، وكأن العلم بالنسبة لخبر اللّه يجب أن يكون أصدق مما تراه العين ؛ لأن العين قد تكذبه والبصر قد يخدعه ،
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ »
و « التزكية » هي أولا : التطهير من المعايب وهذا يعنى سلب النقيصة ، وبعد ذلك إيجاب كمالات زائدة فيها نماء ، والتزكية التي زكّوا بها أنفسهم أنهم قالوا :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
( من الآية 18 سورة المائدة )
وجاء الرد عليهم في هذه القضية بقوله الحق :
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
( من الآية 18 سورة المائدة )
يعنى : إن كنتم أحباءه وأبناءه فلماذا يعذبكم ؟ إذن فهذه قضية باطلة ، ثم ما فائدة أن تقولوها لنا ؟ أنملك لكم شيئا ؟ إذا كنتم تكذبونها على من يملك لكم كل شئ وهو اللّه - سبحانه - فما لنا نحن بكم ؟ والتزكية التي فعلوها أنهم مدحوا أنفسهم بالباطل وبرأوا أنفسهم من العيوب وادعوا أنهم أبناء اللّه وهم ليسوا أبناء اللّه وليسوا أحباءه ، وقالوا أيضا :
لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
( من الآية 111 سورة البقرة )
وتلك أيضا قضية باطلة ، وهنا نسأل : هل إذا زكى الإنسان نفسه بحق تكون تلك التزكية مقبولة ؟ . نقول : علينا أن نسأل : ما المراد منها ؟ إن كان المراد منها الفخر تكن باطلة ، لكن تكون التزكية للنفس واجبة في أمر يحتم ذلك . مثاله : عندما تركب جماعة زورقا ويكون القائد أو من يجدف أو يمسك الشراع متوسط الموهبة ، ثم قامت عاصفة ولا يقوى متوسط الموهبة على قيادتها . هنا يتقدم إنسان يفهم في قيادة الزوارق أثناء العواصف ويقول لمتوسط الموهبة : ابتعد عن القيادة فأنا أكثر فهما وكفاءة وقدرة منك على هذا الأمر ويزحزحه ويمسك القيادة بدلا منه ، هذه تزكية